فئران ورجال

تُعد رواية فئران ورجال للكاتب جون شتاينبك واحدة من أهم الروايات الاجتماعية في الأدب العالمي. تدور أحداثها حول عاملين بسيطين يطاردان حلمًا صغيرًا بالعيش الكريم وسط واقع قاسٍ تحكمه الحاجة والخوف والقوة. تكشف الرواية كيف يمكن للأحلام الإنسانية أن تتحطم عندما يصبح المجتمع عاجزًا عن حماية الضعفاء أو فهم معاناتهم. كما تُظهر أن الإنسان البسيط غالبًا ما يدفع ثمن أخطاء منظومات أكبر منه. ولهذا بقيت الرواية رمزًا للصراع بين الحلم الإنساني وبين قسوة الواقع الاجتماعي والسياسي.
في قطاع غزة، تبدو “فئران ورجال” وكأنها لا تزال تُكتب كل يوم، لكن بأسماء جديدة ووجوه أكثر تعبًا. فهناك شعب كامل يحلم بالحياة الكريمة، بالأمان، ببيت لا تهدمه الحرب، وبطفل لا يستيقظ على صوت القصف أو الجوع. وفي المقابل، يقف مشهد سياسي متخم بالشعارات والخطابات والانقسامات، بينما تتسع دائرة الأرامل والأيتام والثكالى عامًا بعد عام.
لقد تحوّل الإنسان الفلسطيني في كثير من الأحيان من جوهر القضية إلى هامش داخلها. فالفصائل التي كان يفترض أن تحمل همّ الناس أصبحت غارقة في إدارة الصراع والشعارات وتثبيت النفوذ، حتى بدا وكأن الحفاظ على الصورة الحزبية بات أهم من ترميم الإنسان المكسور. وفي خضم هذا المشهد، بقيت الأم الثكلى وحدها تواجه الفقد، واليتيم وحده يواجه الحياة، والأرملة وحدها تتحمل قسوة المجتمع والحصار والفقر.
وتتجلى أكثر المقارنات قسوة عند نهاية الرواية؛ حين قُتل صاحب القلب الطيب لأنه لم يكن قادرًا على الانسجام مع عالم تحكمه القوة والخوف. لم يُقتل لأنه شرير، بل لأنه ضعيف، بسيط، وعاجز عن حماية نفسه داخل مجتمع لا يرحم المختلفين. وهنا يلتقي أدب جون شتاينبك مع واقع غزة بصورة موجعة؛ ففي الحروب والصراعات غالبًا ما يكون أصحاب القلوب البسيطة هم أول الضحايا، بينما يبقى أصحاب النفوذ والخطابات بعيدين عن الألم الحقيقي.
في غزة أيضًا، يموت البسطاء كل يوم: طفل كان يحلم بالحياة، أمّ تنتظر عودة ابنها، أب يبحث عن لقمة لعائلته، وشباب لم يطلبوا سوى فرصة للعيش بكرامة. وكما انتهى الحلم في “فئران ورجال” برصاصة أنهت قلبًا طيبًا، تنتهي أحلام كثير من الفلسطينيين تحت القصف أو الجوع أو الإهمال أو صراعات النفوذ التي جعلت الإنسان آخر الأولويات.
إن المأساة الكبرى ليست فقط في الموت، بل في تحوّل الموت إلى مشهد معتاد، وفي أن يصبح الإنسان العادي مجرد رقم داخل نشرات الأخبار والخطابات السياسية. وهنا يبدو السؤال أكثر إيلامًا: هل خُلقت الشعارات لتحمي الإنسان، أم أصبح الإنسان وقودًا دائمًا لحماية الشعارات؟
غزة اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الخطب والانقسامات بقدر ما تحتاج إلى استعادة قيمة الإنسان نفسه؛ الإنسان الذي يشبه أبطال الرواية في بساطته، وفي حلمه الصغير، وفي قلبه الذي أنهكته القسوة الفصائلية.
نضال احمد جابر جودة



