من مشهد النفير… إلى حلم تحرير فلسطين.. بقلم د. مؤيد بدران

وأنا بين ملايين الحجاج في المشاعر المقدسة، أراقب ذلك النفير العظيم من عرفات إلى مزدلفة ثم إلى منى، لم أستطع أن أمنع قلبي من الذهاب بعيدًا نحو فلسطين.
ذلك المشهد المهيب لم يكن مجرد حركة بشرية عابرة، بل بدا وكأنه صورة حية لوحدة الأمة حين تجتمع على هدف واحد، وصوت واحد، ووجهة واحدة.
رأيت الناس يتركون خلفهم اختلافاتهم وألوانهم ولغاتهم ومناصبهم، ويلبسون لباسًا واحدًا، ويرددون نداءً واحدًا:
“لبيك اللهم لبيك”.
في تلك اللحظات، شعرت أن الأمة التي تستطيع أن تجتمع بهذا الشكل المهيب، لا يمكن أن تبقى عاجزة إلى الأبد عن تضميد جراحها الكبرى، وفي مقدمتها جرح فلسطين.
كفلسطيني أحمل في صدري همّ وطني وألم شعبي، وجدت نفسي أتخيل يومًا آخر يشبه هذا المشهد…
يوم تتحرك فيه الأمة بقلوبها قبل جيوشها،
ويوم تعود فيه القدس حرّةً عزيزة،
ويوم يدخل الفلسطيني إلى أرضه مرفوع الرأس كما يدخل الحاج إلى المشاعر مطمئن القلب.
في النفير معنى عظيم لا يدركه إلا من عاشه بعينيه؛
فهو ليس انتقال أجساد فقط، بل حركة أرواح اجتمعت على الطاعة واليقين والرجاء.
وهذا ما تحتاجه أمتنا اليوم:
أن تؤمن بنفسها من جديد، وأن تدرك أن وحدتها ليست مستحيلة، وأن الشعوب التي تهتف لله بهذا الصدق لا يمكن أن تموت فيها الكرامة.
في منى، وبين أصوات التكبير والتلبية، شعرت أن فلسطين حاضرة في قلوب الملايين، حتى وإن لم تُذكر بالألسن.
فالقضايا العادلة لا تغيب عن مواطن الإيمان، والأرض المباركة تبقى في وجدان الأمة مهما اشتدت المحن وطال الانتظار.
إن الحج لا يعلّمنا العبادة فقط، بل يعلّمنا معنى الأمة، ومعنى المساواة، ومعنى القوة حين تجتمع القلوب على الحق.
ومن يرى هذا المشهد بعينيه، يؤمن أن فجر الأمة قد يتأخر… لكنه لا يموت.
اللهم كما جمعت عبادك في هذه المشاعر على كلمة واحدة، اجمع أمتنا على الحق، واكتب لفلسطين وأهلها فرجًا ونصرًا وحريةً تليق بتضحياتهم وصبرهم.
الحاج الدكتور مؤيد بدران
من مشعر منى – مكة المكرمة
يوم النحر – 10 ذو الحجة 1447هـ
الموافق 27 مايو 2026م



