حصار واحتلال وقتل.. غزة تواجه حرباً صامتة.. بقلم/ د. ماجد أبودية

بينما يلتفت العالم إلى لغة البيانات الدبلوماسية والاتفاقيات الموقعة، يعيش قطاع غزة تفاصيل “حرب صامتة” وأشد فتكا، تدار خلف ستار اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر 2025، ورغم أن الجانب الفلسطيني قدّم التزاماته كاملة في المرحلة الأولى عبر تسليم الأسرى الاسرائيليين أحياء وأموات، وأبدى التزام بنقل ادارة غزة إلى لجنة التكنوقراط التى يشرف عليها “مجلس السلام” إلا أن الممارسات الإسرائيلية على الأرض حوّلت التهدئة المفترضة إلى أداة لتثبيت واقع عسكري وسياسي جديد يهدف إلى خنق القطاع وقضم جغرافيته والسيطرة عليه امنيا، فالمؤشرات الميدانية لسلوك الجيش الاسرائيلي تؤكد أن إسرائيل اختارت مسارا مغايرا، ينقلب على جوهر الاتفاق ويعيد مشهد التصعيد إلى المربع الاول و تحويل القطاع إلى بيئة غير قابلة للحياة من خلال التحكم بتدفق المساعدات، والسماح بادخال عدد محدود من الشاحنات ليبقى قطاع غزة على حافة المجاعة، ويبقى غزة تعاني من نقص كبير في معظم احتياجاتها اليومية، الى جانب فرض القيود على دخول مئات الاصناف من المواد والبضائع في مشهد اعاد غزة الى العصور البدائية
كما ان معاناة المرضى والعالقين تتفاقم في ظل محدوديه عمل معبر رفح ، مما فاقم من حجم الكارثة الإنسانية، بالتوازي مع هذا الحصار، يفرض الجيش الإسرائيلي واقعا عسكريا جديدا من خلال قضم جغرافيا القطاع والتقدم نحو “الخط الأصفر” للسيطرة على نحو 60% من مساحته، فضلا عن استمرار عمليات الاغتيال الموضعية التي حصدت أرواح أكثر من 900 شهيد منذ إعلان التهدئة.

إن هذا السلوك يضع الوسطاء في مصر وقطر وتركيا، بل وحتى الجهود الدولية التي يمثلها ميلادينوف وفريق “مجلس السلام”، أمام اختبار حقيقي لمدى فاعلية أدوات الضغط الدولية، فالمطالبة الإسرائيلية بتجريد المقاومة من سلاحها دون تقديم أي ضمانات أمنية للمجتمع الفلسطيني، ومنع نشر الشرطة الفلسطينية التابعة للجنة التكنوقراط، لا يعكس رغبة في بناء استقرار مستدام، بل يمثل محاولة لفرض استسلام سياسي وعسكري تحت التهديد بعميلة عسكرية شاملة تضغط قيادة الجيش لتنفيذها لحسم المعركة.

أمام هذا الانسداد، لم يعد مجديا الاكتفاء بانتظار التزام الطرف الآخر، بل بات من الضروري للكل الفلسطيني صياغة استراتيجية مواجهة بديلة ترتكز على دفع الرعاية الدولية نحو ممارسة ضغوط حقيقية لحماية اتفاقها، و التمسك بمعادلة “الأمن المتبادل”، ورفض أي حديث حول الترتيبات الأمنية دون وجود ضمانات دولية مكتوبة تمنع الاغتيالات والتوغلات، واشتراط نشر الشرطة الفلسطينية كخطوة أولى لملء الفراغ الإداري والأمني، تدويل قضية الحصار ومعبر رفح، والمطالبة بإشراف أو رقابة دولية لضمان تدفق المساعدات وحرية الحركة
ان استمرار حرب استنزاف صامتة لتغيير معالم القطاع، يتطلب حراكا فلسطينيا جماعيا سريعا يوظف الأوراق السياسية والإنسانية لكسر حلقة الاستفراد الإسرائيلي وإعادة صياغة موازين الضغط للخروج من هذه الازمة، فغزة اليوم تقف عند مفترق طرق حرج، إما الاستسلام لسيناريو القضم والتدمير الصامت الذي يقوده الجيش الاسرائيلي، أو المبادرة برؤية فلسطينية موحدة ومحسوبة تفرض على المجتمع الدولي والوسطاء تحمل مسؤولياتهم الأخلاقية والسياسية للجم الخروقات وإنقاذ الاتفاق من الانهيار الشامل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com