هل تخدم الفوضى الإسرائيلية القضية الفلسطينية؟

قراءة في حدود الفرصة ومخاطر الوهم السياسي

بقلم: شريف الهركلي

تشهد إسرائيل منذ سنوات حالة متصاعدة من الانقسام السياسي والاستقطاب المجتمعي، انعكست في أزمات حكومية متكررة وصراعات حادة بين الأحزاب والتيارات المختلفة. وقد دفعت هذه هل تخدم الفوضى الإسرائيلية القضية الفلسطينية؟ قراءة في حدود الفرصة ومخاطر الوهم السياسي
كثيرين إلى التساؤل عما إذا كانت الفوضى السياسية الإسرائيلية تمثل فرصة حقيقية للقضية الفلسطينية أم أنها مجرد متغير مؤقت في مشهد الصراع الممتد منذ عقود.
من الناحية السياسية، تؤدي الانقسامات الداخلية عادة إلى إضعاف قدرة الدول على اتخاذ قرارات مستقرة وصياغة استراتيجيات طويلة المدى. كما تكشف حجم التناقضات داخل مؤسسات الحكم وتؤثر في ثقة الجمهور بالنظام السياسي. وفي الحالة الإسرائيلية، تتجلى هذه الأزمة في التنافس الحاد بين الأحزاب الدينية والقومية والعلمانية، وفي الخلافات المتزايدة حول أولويات الدولة وهويتها ومستقبلها السياسي.
غير أن الاعتقاد بأن الأزمات الإسرائيلية ستتحول تلقائياً إلى مكاسب فلسطينية يبقى استنتاجاً يحتاج إلى قدر كبير من الحذر. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن الحكومات التي تواجه أزمات داخلية قد تلجأ أحياناً إلى تشديد خطابها الأمني أو تصعيد سياساتها الميدانية بهدف توحيد الجبهة الداخلية وصرف الأنظار عن أزماتها السياسية. وعليه، فإن الانقسام الإسرائيلي قد يخلق فرصاً كما قد يفرض تحديات جديدة في الوقت ذاته.
في المقابل، تتيح هذه التحولات مساحة مهمة للتحرك الفلسطيني على المستويات السياسية والدبلوماسية والقانونية. فكل تصدع داخل البنية السياسية الإسرائيلية يفتح نافذة لإبراز الرواية الفلسطينية أمام الرأي العام الدولي، ويمنح الدبلوماسية الفلسطينية فرصة أوسع لحشد الدعم لقضاياها العادلة في المحافل الدولية.
لكن نجاح هذا المسار لا يرتبط بحجم الأزمة داخل إسرائيل بقدر ما يرتبط بقدرة الفلسطينيين على استثمارها. فالتاريخ يعلمنا أن ضعف الخصم لا يتحول تلقائياً إلى قوة للطرف الآخر، وأن الفرص السياسية قد تضيع إذا غابت الرؤية الواضحة ووحدة الموقف والقدرة على تحويل المتغيرات إلى إنجازات ملموسة.
إن جوهر المسألة لا يكمن في انتظار تعثر الخصم، بل في امتلاك مشروع وطني قادر على قراءة التحولات الإقليمية والدولية والتعامل معها بواقعية وفاعلية. فالأمم لا تحقق أهدافها بأخطاء الآخرين وحدها، وإنما بحسن إدارة الفرص التي تتيحها الظروف والمتغيرات.
وعليه، فإن الفوضى السياسية في إسرائيل ليست نصراً فلسطينياً بحد ذاتها، لكنها قد تشكل فرصة سياسية مهمة إذا أُحسن التعامل معها. وبين حدود الفرصة ومخاطر الوهم السياسي تبقى الحقيقة الأهم أن الإنجازات الوطنية لا تصنعها الأزمات وحدها، بل تصنعها الإرادة والرؤية والقدرة على تحويل اللحظة السياسية إلى مكسب استراتيجي مستدام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com