استهداف دول الخليج وتوسيع دائرة الحرب: من المستفيد؟.. بقلم: د. عبد الرحيم محمود جاموس

في خضم التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، تبرز أسئلة جوهرية تتجاوز حدود الأحداث اليومية لتلامس جوهر الصراع ومآلاته الاستراتيجية: من المستفيد من توسيع دائرة الحرب؟ ولماذا تُدفع دول عربية وخليجية، لم تكن طرفاً مباشراً في النزاع، إلى دائرة الاستهداف والتهديد؟
إن أي اعتداء يطال أراضي دولة عربية أو منشآتها المدنية أو الحيوية لا يمكن النظر إليه باعتباره حادثاً معزولاً عن السياق الإقليمي العام، بل ينبغي قراءته ضمن شبكة المصالح والحسابات السياسية والعسكرية التي تسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة على وقع الأزمات والصراعات المفتوحة.
ومن منظور القانون الدولي، فإن استهداف الدول ذات السيادة أو تهديد أمنها واستقرارها يمثل انتهاكاً لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضي الدول واستقلالها السياسي. كما أن تعريض المنشآت المدنية والبنى التحتية الحيوية للخطر يفاقم حالة عدم الاستقرار ويهدد الأمن والسلم الإقليميين.
ولم يقتصر رفض هذه الاعتداءات على مواقف إعلامية أو مقالات رأي، بل تجسد في مواقف عربية وخليجية رسمية واسعة أدانت أي مساس بأمن دولة الكويت وسيادتها وسلامة أراضيها، باعتبار أن أمن الكويت جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي الخليجي والعربي، وأن أي تهديد يطالها يطال أمن المنطقة بأسرها.
وقد عكست بيانات الإدانة والتضامن إدراكاً عربياً جماعياً لخطورة توسيع دائرة الحرب ونقلها إلى دول لم تكن طرفاً مباشراً في الصراع، وخاصة في ظل الجهود السياسية والدبلوماسية المكثفة التي تبذلها دول الخليج العربي لاحتواء التوترات وخفض التصعيد والدفع نحو وقف إطلاق النار وفتح مسارات الحلول السياسية.
ومن هنا، فإن أي استهداف للكويت أو البحرين أو أي دولة خليجية أخرى لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد حادث أمني أو عسكري معزول، بل ينبغي فهمه في سياق تداعياته السياسية والاستراتيجية الأوسع. فمثل هذه الاعتداءات لا تهدد أمن الدول المستهدفة فحسب، بل تقوض أيضاً الدور الذي تضطلع به دول الخليج في الوساطة وخفض التصعيد والسعي إلى إطفاء نيران الحرب.
والأخطر من ذلك أن هذه الاعتداءات تلتقي، من حيث النتائج والآثار السياسية، مع ما تسعى إليه إسرائيل من توسيع دائرة الصراع وتحويله من مواجهة محدودة الأطراف إلى حرب إقليمية شاملة. فكلما امتدت نيران الحرب إلى دول جديدة، اتسعت دائرة التوتر، وتراجعت فرص الحلول السياسية، وازدادت احتمالات إعادة رسم التحالفات والاصطفافات الإقليمية على أساس أمني وعسكري بدلاً من الأساس السياسي والدبلوماسي.
وعندما تتعرض دولة خليجية لاعتداء أو تهديد مباشر، فإنها تجد نفسها أمام تحديات معقدة تتعلق بحماية أمنها الوطني وسيادتها، الأمر الذي يضعها في موقف بالغ الحساسية، ويهدد بتحويلها من طرف يسعى إلى التهدئة والوساطة إلى طرف منشغل بتداعيات الحرب عليه. وهنا يتحقق، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أحد الأهداف التي يخدمها اتساع رقعة الصراع، والمتمثل في إضعاف الجهود العربية الرامية إلى وقف الحرب ومنع انتشارها.
لقد اختارت دول الخليج، رغم حساسية موقعها الجغرافي وتشابك مصالحها مع مختلف الأطراف، نهج الحكمة والدبلوماسية وضبط النفس، وكرست جهودها للحفاظ على الاستقرار الإقليمي ومنع اندلاع حرب شاملة قد تأتي على مقدرات شعوب المنطقة وإنجازاتها التنموية. ولذلك فإن استهداف هذه الدول لا يمس أمنها الوطني فحسب، بل يستهدف أيضاً دورها السياسي ومساعيها الحثيثة في الوساطة والتقريب بين الأطراف المتصارعة.
إن القراءة السياسية الموضوعية تشير إلى أن توسيع نطاق الصراع وتحويله إلى حرب إقليمية شاملة يخدم بصورة مباشرة أو غير مباشرة الأجندات التي تراهن على استمرار حالة الاستنزاف والفوضى وعدم الاستقرار. كما أنه يوفر الذرائع اللازمة لمواصلة العمليات العسكرية وإطالة أمد النزاعات وإبعاد الأنظار عن القضايا الأساسية التي كانت سبباً في اندلاعها.
ومن هنا، فإن استهداف دول الخليج العربية لا يخدم مصالح شعوب المنطقة ولا قضاياها العادلة، بل يؤدي إلى إضعاف الجبهة العربية الساعية إلى التهدئة، ويعرقل الجهود المبذولة لوقف الحروب ومعالجة أزماتها الإنسانية والسياسية المتفاقمة.
إن استقرار دول الخليج العربي ليس شأناً خليجياً فحسب، بل يمثل ركيزة أساسية للاستقرار العربي والإقليمي والدولي. كما أن حماية سيادة الدول العربية واحترام حدودها وأمنها الوطني تشكل شرطاً ضرورياً لبناء نظام إقليمي قائم على التعاون والاحترام المتبادل وحسن الجوار.
لقد أثبتت التجارب أن الحروب لا تنتج حلولاً مستدامة، وأن توسيع ساحات المواجهة لا يؤدي إلا إلى مزيد من الدمار والخسائر وعدم اليقين. أما الطريق الحقيقي نحو الأمن والاستقرار فيكمن في احترام القانون الدولي، وصيانة سيادة الدول، وتغليب لغة الحوار على منطق القوة.
ويبقى السؤال الأهم: إذا كانت دول الخليج العربي تبذل جهوداً متواصلة لمنع اتساع رقعة الحرب، وتعمل على احتواء التصعيد وتغليب الحلول السياسية، فلماذا تُستهدف؟ ولماذا يُراد دفعها إلى مواقع المواجهة بدلاً من إبقائها في موقع الوسيط وصانع الاستقرار؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقود إلى حقيقة سياسية بالغة الأهمية، مفادها أن إضعاف دور الوساطة العربية والخليجية، وإشغال هذه الدول بمخاوفها الأمنية المباشرة، يصب في مصلحة كل الأطراف التي تراهن على استمرار الحرب وتوسيع نطاقها. وفي مقدمة المستفيدين من ذلك إسرائيل التي سعت، وما زالت تسعى، إلى تحويل الصراع القائم إلى مواجهة إقليمية واسعة تعيد تشكيل أولويات المنطقة وتوازناتها بعيداً عن متطلبات السلام والاستقرار والتنمية.
والحقيقة التي لا ينبغي أن تغيب عن الأذهان هي أن أمن الخليج العربي واستقراره يشكلان خط الدفاع الأول عن استقرار العالم العربي بأسره، وأن الحفاظ على هذا الأمن مسؤولية جماعية تتطلب رفض كل أشكال الاعتداء والتصعيد، والتمسك بخيار الحوار والتسوية السياسية، حمايةً لمستقبل شعوب المنطقة وأجيالها القادمة.
إن المنطقة لا تحتاج إلى حروب جديدة، بل إلى إرادة سياسية جديدة؛ ولا تحتاج إلى توسيع ساحات الصراع، بل إلى توسيع مساحات الحوار. أما الذين يدفعون باتجاه إشعال المزيد من الحرائق، فلن يحصدوا في نهاية المطاف سوى المزيد من الدمار وعدم الاستقرار، بينما تدفع شعوب المنطقة وحدها ثمن المغامرات والحسابات الخاطئة.
د. عبدالرحيم محمود جاموس
الرياض
4/6/2026 م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com