أزمةُ مرضى قطاعِ غزّة لا تبدأُ بالبحثِ عن مُتَّهَمٍ جديدٍ كلَّ يوم.. نضال احمد جابر جودة

 يتحدَّثُ الناسُ عن أزمةِ المرضى في قطاعِ غزّة، ينصرفُ النِّقاشُ غالبًا إلى نقصِ الدَّواء، أو محدوديَّةِ الإمكانات، أو أخطاءِ هذا المسؤول أو ذاك. غيرَ أنَّ علماءَ الإدارةِ ينظرون إلى المشكلاتِ من زاويةٍ مختلفة؛ فهم يرون أنَّ الأزماتِ المزمنةَ لا تنتجُ عن الأشخاصِ بقدرِ ما تنتجُ عن الأنظمةِ التي تحكمُ العملَ، وتوجِّهُ المواردَ، وتحدِّدُ الصلاحيّات. فالموظَّفُ قد يتغيَّر، والمديرُ قد يُستبدَل، لكنَّ الأزمةَ تبقى قائمةً ما دام النظامُ نفسُه يُنتجُ النتائجَ ذاتها.
ومن هذا المنطلق، فإنَّ السؤالَ الحقيقيَّ ليس: مَن المسؤولُ عن معاناةِ المرضى؟ بل: كيف جرى تفكيكُ المنظومةِ الصحيّةِ الحكوميّةِ وتحويلُها إلى منظومةٍ تعيشُ على هامشِ مساراتٍ موازيةٍ أصبحت تمارسُ أدوارَها وتستنزفُ مواردَها في الوقتِ ذاته؟
لقد نشأت خلال السنواتِ الأخيرة مجموعةٌ من البدائلِ التي قُدِّمت باعتبارها حلولًا استثنائيّةً لظروفٍ استثنائيّة. مشافٍ ميدانيّة، ولجانٌ طبيّة، ومؤسّساتٌ دوليّة تولَّت مهامَّ كانت تاريخيًّا جزءًا أصيلًا من اختصاصاتِ وزارةِ الصحّة. ومع مرورِ الوقت، لم تعد هذه البدائلُ أدواتٍ مُساندةً للمؤسّسةِ الحكوميّة، بل تحوَّلت إلى مراكزِ فِعلٍ وتأثيرٍ تُنافسُ المؤسّسةَ الأصليّةَ على مواردِها البشريّة واختصاصاتِها الإداريّة.
وكانت أخطرُ أدواتِ هذا التحوّل هي سياسةُ إعارةِ الموظّفين العموميّين للعملِ خارجَ إطارِ المؤسّسةِ الصحيّةِ الحكوميّة. ففي الأدبيّاتِ الإداريّة، تُستخدمُ الإعارةُ كأداةٍ مؤقّتةٍ لمعالجةِ حاجةٍ محدّدةٍ أو ظرفٍ طارئ، لكنَّها لا تُستخدمُ لتفريغِ المؤسّسةِ الأصليّةِ من كوادرِها. أمّا في الحالةِ الغزّيّة، فقد تحوَّلت الإعارةُ من استثناءٍ إداريٍّ إلى واقعٍ دائم؛ فانتقل عددٌ كبيرٌ من الأطبّاء والممرّضين والفنّيّين والإداريّين إلى العملِ في المشافي الميدانيّة والجهاتِ البديلة، بينما بقيت المستشفياتُ الحكوميّةُ مطالبةً بتقديمِ الخدمةِ ذاتِها للمرضى بالإمكاناتِ البشريّةِ المتبقّية.
وكانت النتيجةُ واضحةً: مؤسّسةٌ حكوميّةٌ تتحمّلُ المسؤوليّةَ القانونيّةَ والأخلاقيّةَ أمامَ المواطنين، لكنَّها لا تمتلكُ المواردَ البشريّةَ الكافيةَ لأداءِ واجباتِها على الوجهِ المطلوب.
إنَّ الحديثَ عن ضعفِ الخدماتِ الصحيّة لا يمكنُ فصلُه عن هذا النَّزيفِ المستمرِّ للكفاءات. فالمستشفى الحكوميُّ الذي يفقدُ جزءًا من أطبّائه وممرّضيه لن تتراجعَ قدرتُه التشغيليّةُ فحسب، بل ستضعفُ قدرتُه على التدريبِ والتطويرِ والإشرافِ والمتابعة، وستصبحُ بيئةُ العملِ فيه أكثرَ ضغطًا على العاملينَ المتبقّين، الأمرُ الذي يقودُ تلقائيًّا إلى الاحتراقِ الوظيفيِّ وتراجعِ جودةِ الخدمة.
ولم يقتصرِ الأمرُ على المواردِ البشريّة؛ فقد شهد النظامُ الصحيُّ ظهورَ مساراتٍ إداريّةٍ موازيةٍ أدّت إلى إضعافِ البنيةِ المؤسّسيّةِ القائمة. فاللجنةُ الطبيّةُ أصبحت تمارسُ أدوارًا ترتبطُ جوهريًّا بملفِّ العلاجِ بالخارج، في حين اضطلعت منظّمةُ الصحّةِ العالميّة بأدوارٍ محوريّةٍ في ملفِّ تنسيقِ وتحويلِ المرضى. وبغضِّ النظرِ عن دوافعِ هذا الواقعِ أو مبرّراتِه، فإنَّ النتيجةَ النهائيّةَ كانت واحدةً: تراجعُ دورِ المؤسّساتِ الحكوميّةِ الأصليّةِ لصالحِ ترتيباتٍ بديلةٍ لا تخضعُ للبنيةِ الإداريّةِ التقليديّةِ للقطاعِ الصحي.
وهنا تكمنُ خطورةُ المساراتِ الموازية؛ فهي لا تهدمُ المؤسّسةَ الحكوميّةَ بصورةٍ مباشرة، بل تسحبُ منها وظائفَها واختصاصاتِها وكوادرَها تدريجيًّا، حتّى تصبحَ موجودةً شكليًّا وغائبةً فعليًّا.
ولهذا، فإنَّ معالجةَ أزمةِ المرضى لا تبدأُ من البحثِ عن مُتَّهَمٍ جديدٍ كلَّ يوم، ولا من حملاتِ التشهيرِ المتبادلةِ عبرَ وسائلِ التواصلِ الاجتماعي، وإنّما تبدأُ من الاعترافِ بأنَّ النظامَ الصحيَّ تعرَّض خلال السنواتِ الماضيةِ لعمليّةِ تفكيكٍ هادئةٍ عبرَ إنشاءِ بدائلَ موازيةٍ استنزفت مواردَه البشريّةَ والإداريّة.
إنَّ أوّلَ خطوةٍ على طريقِ الإصلاحِ هي إعادةُ الاعتبارِ للمؤسّسةِ الصحيّةِ الحكوميّةِ باعتبارِها المرجعيّةَ الأساسيّةَ الوحيدةَ للخدمةِ الصحيّة. وهذا يقتضي وقفَ سياسةِ الإعارةِ التي تحوَّلت إلى أداةِ استنزافٍ للكوادر، وإعادةَ دمجِ الموظّفين العموميّين داخلَ مواقعِهم الأصليّة، وتعزيزَ المستشفياتِ الحكوميّةِ بما تحتاجُه من مواردَ بشريّةٍ وخبراتٍ متخصّصة.
كما يقتضي إعادةَ تفعيلِ دائرةِ العلاجِ بالخارج ودائرةِ تنسيقِ وارتباطِ المرضى بوصفِهما جزءًا من الهيكلِ المؤسّسيِّ الطبيعيِّ للنظامِ الصحي، وإنهاءَ حالةِ الازدواجيّةِ التي أفرزتها البدائلُ المؤقّتة.
فالدولُ لا تُبنى بالمشروعاتِ الموازية، ولا تُدارُ الأزماتُ بتفكيكِ المؤسّساتِ القائمة. وعندما تصبحُ البدائلُ أقوى من الأصل، وتستقطبُ الكفاءاتِ على حسابِه، فإنَّ النتيجةَ الحتميّةَ هي إضعافُ النظامِ العامِّ وتراجعُ قدرتِه على خدمةِ المواطنين.
إنَّ مرضى قطاعِ غزّة لا يحتاجون إلى المزيدِ من المساراتِ الموازية، بل يحتاجون إلى منظومةٍ صحيّةٍ حكوميّةٍ قويّةٍ، موحّدةٍ، مستقرةٍ، تمتلكُ كوادرَها وصلاحيّاتِها وقرارَها الإداريَّ. فالمشكلةُ في جوهرِها ليست مشكلةَ أفرادٍ، وإنّما مشكلةُ نظامٍ لم يعد يعملُ من خلالِ مؤسّساتِه الأصليّة، بل من خلالِ بدائلَ أضعفت الأصلَ ولم تنجحْ في تعويضِه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com