لقد انتُهِكَتْ عُذْرِيَّةُ الذُّكُورَةِ في أَرْوِقَةِ المُؤَسَّسَةِ الصِّحِّيَّةِ العَامَّةِ في قِطَاعِ غَزَّةَ.. نضال احمد جابر جودة

ليست عذرية الذكورة في هذا المقال توصيفًا بيولوجيًا أو اجتماعيًا بالمعنى المتعارف عليه، وإنما هي توصيف أخلاقي وإداري يعبر عن نقاء الموقف العام، وعن قدرة المؤسسة والمسؤول على الانتصار للمصلحة العامة دون خضوع للضغوط أو الحسابات الخاصة. إنها الحالة التي تبقى فيها المؤسسة وفية لرسالتها الأصلية، وقادرة على ممارسة دورها باستقلالية ومهنية ومسؤولية.
تُعد الاستقلالية المؤسسية إحدى الركائز الأساسية للسيادة الدستورية. فالمؤسسات الحكومية لا تمثل مجرد هياكل إدارية أو وحدات تشغيلية، بل تمثل تجسيدًا للإرادة العامة، وأداة من أدوات حماية الحقوق والخدمات التي يضمنها القانون للمواطنين. وكلما كانت المؤسسة أكثر استقلالًا، كانت أكثر قدرة على اتخاذ القرار وصناعة السياسات وتوزيع الموارد وفق معايير العدالة والحاجة العامة.
ومن هذا المنطلق، فإن المساس باستقلالية المؤسسة الصحية العامة لا يُعد خللًا إداريًا فحسب، بل يمثل انتقاصًا من سيادة المؤسسة على اختصاصاتها ووظائفها الطبيعية. فالمؤسسة الصحية الحكومية هي الأصل، وما عداها من مبادرات أو برامج أو أجسام موازية يجب أن يبقى في إطار الدعم والإسناد لا الإحلال والاستبدال.
غير أن الواقع الصحي في قطاع غزة شهد خلال السنوات الأخيرة حالة متنامية من استبدال الأصول بالفروع، حيث جرى تقديم مؤسسات ومسارات بديلة على حساب المؤسسة الصحية الحكومية الأصلية. وبمرور الوقت، لم تعد هذه البدائل أدوات مساندة، بل تحولت إلى مراكز تأثير وقرار أخذت تمارس أدوارًا كان يفترض أن تبقى ضمن الاختصاص المؤسسي الحكومي.
وتحت عناوين الكفاءة والاختصاص والمرونة التشغيلية، جرى بناء منظومات موازية استقطبت الموارد البشرية والخبرات والوظائف التنفيذية، الأمر الذي أدى تدريجيًا إلى إضعاف البنية المؤسسية الحكومية وإفراغها من عناصر قوتها الأساسية. فالكفاءة الحقيقية لا تتحقق بتجاوز المؤسسة، وإنما بتعزيزها وتمكينها. أما عندما تصبح الكفاءات نفسها جزءًا من مشروع موازٍ للمؤسسة، فإن النتيجة الطبيعية هي تراجع قدرة المؤسسة الأصلية على التطور وصناعة القرار.
وقد تجلت هذه الإشكالية بصورة واضحة في سياسة إعارة موظفي المؤسسة الصحية العامة أو استقطابهم للعمل ضمن الأجسام والبرامج البديلة. فبدلًا من الاستثمار في بناء القدرات داخل المؤسسة الحكومية، جرى نقل الخبرات خارجها. وبدلًا من خلق بيئة مؤسسية قادرة على إنتاج القيادات المهنية والإدارية، أصبحت المؤسسة تفقد تدريجيًا عناصر الخبرة والتأثير التي تحتاجها لتحقيق التمكين المؤسسي المستدام.
ومع تراجع المؤسسة الأم، تراجعت أيضًا قدرتها على ممارسة وظائفها الحيوية، وفي مقدمتها صناعة القرار الصحي وإدارة مسارات المرضى. وأصبح القرار الصحي في كثير من الأحيان رهينًا لأولويات الجهات والبرامج البديلة أكثر من ارتباطه بالمنظومة المؤسسية التي يفترض أن تتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية تجاه المواطنين.
ويظهر أثر هذا التحول بصورة أكثر وضوحًا عند النظر إلى واقع المرضى الذين يعتمد بقاؤهم على منظومة التحويلات العلاجية خارج قطاع غزة. فمن الناحية العملية، تبدو فرص الحصول على التحويلات العلاجية أكثر حضورًا في بعض التخصصات التي تتطلب تدخلات جراحية أو خدمات محددة في مجالات العظام والعيون وغيرها، بينما تواجه فئات أخرى من المرضى تحديات أكبر تتعلق بطبيعة احتياجاتها العلاجية وتكلفتها واستمراريتها.
وفي مقدمة هؤلاء يأتي مرضى الأورام ومرضى الفشل الكلوي والعديد من المرضى الذين يحتاجون إلى برامج علاجية طويلة الأمد أو خدمات تخصصية معقدة. فهؤلاء لا يحتاجون إلى إجراء طبي واحد أو تدخل جراحي محدود، وإنما يحتاجون إلى مسار علاجي متكامل يمتد لأشهر وربما سنوات، ويتطلب توفير أدوية وعلاجات إشعاعية ومتابعات دورية وإجراءات تشخيصية متكررة.
هنا تظهر أهمية الدور التاريخي والمؤسسي لكل من دائرة العلاج بالخارج ودائرة تنسيق وارتباط المرضى. فهاتان الدائرتان لم تكونا مجرد وحدات إدارية لإصدار التحويلات أو استكمال الإجراءات، بل كانتا تمثلان جزءًا من منظومة حماية الحق في العلاج، وتعملان بوصفهما ذاكرة مؤسسية وخبرة تراكمية في إدارة احتياجات المرضى الأكثر هشاشة وتعقيدًا.
لكن مع صعود المسارات الموازية وتراجع مركزية المؤسسة الحكومية، تعرض هذا الدور للتهميش التدريجي. وأصبحت الوظائف التي كانت تؤديها هذه الدوائر موزعة بين جهات متعددة لا تمتلك بالضرورة ذات الخبرة المؤسسية أو ذات الالتزام طويل الأمد تجاه الفئات المرضية الأكثر كلفة وتعقيدًا.
والنتيجة أن المرضى الذين يحتاجون إلى رعاية مستمرة، وعلى رأسهم مرضى الأورام والفشل الكلوي، أصبحوا الأكثر تأثرًا بهذا التحول. فحين تتراجع المؤسسة الأصلية وتتقدم البدائل، يصبح التركيز منصبًا على إدارة الأزمة لا على بناء مسار علاجي مستدام، وعلى معالجة الحالات الآنية لا على حماية الفئات المرضية التي تحتاج إلى التزام مؤسسي طويل المدى.
إن جوهر المشكلة لا يكمن في وجود بدائل أو شركاء أو جهات داعمة، وإنما في تحول تلك البدائل إلى بديل عن المؤسسة نفسها. فالمؤسسات لا تُقاس بقدرتها على إدارة يوم أو شهر أو موسم من الأزمات، وإنما بقدرتها على حماية الحقوق العامة بصورة مستمرة ومستدامة. وعندما يُستبدل الأصل بالفرع، وتُهمَّش الدوائر المختصة، وتُفرَّغ المؤسسة من خبراتها ومواردها البشرية، فإن الخاسر الأول لا يكون الموظف أو المدير، وإنما المريض الذي يعتمد على المؤسسة بوصفها الضامن الأخير لحقه في العلاج.
ومن هنا يمكن فهم معنى العنوان. فالمقصود بانتهاك عذرية الذكورة ليس الإساءة إلى أحد، وإنما الإشارة إلى لحظة فقدان النقاء المؤسسي؛ اللحظة التي تراجعت فيها الشجاعة الإدارية اللازمة للدفاع عن المؤسسة العامة، وقُبل فيها باستبدال الأصل بالفرع، وتم فيها تهميش الاختصاصات المؤسسية لصالح مسارات موازية، وتراجع فيها التمكين المؤسسي أمام الحلول المؤقتة.
لقد انتُهِكَتْ عُذْرِيَّةُ الذُّكُورَةِ عندما غاب الانتصار للمؤسسة العامة بوصفها عنوان السيادة والخدمة والحق، وعندما أصبح الدفاع عن البدائل أسهل من الدفاع عن الأصل، وعن البرامج أسهل من الدفاع عن المؤسسة، وعن إدارة الأزمة أسهل من بناء نظام صحي قادر على حماية مرضاه، وخاصة أولئك الذين لا يملكون ترف الانتظار: مرضى الأورام ومرضى الفشل الكلوي وسائر المرضى الذين ترتبط حياتهم باستمرار العلاج لا بمجرد الوصول إليه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com