حين يصبح الرد هدية مجانية للإشاعة.. بقلم: شريف الهركلي

في أوقات الأزمات والحروب، لا تقتصر المواجهة على الميدان العسكري أو السياسي فحسب، بل تمتد إلى ميدان آخر لا يقل خطورة وتأثيراً، هو ميدان الحرب النفسية وصناعة الوعي. وفي هذا الميدان تصبح الإشاعة سلاحاً قادراً على إرباك المجتمعات، وزعزعة الثقة، وإشعال نيران المعارك الجانبية التي تستنزف طاقاتها وتشتت انتباهها عن القضايا الأساسية.
ومن أكثر الأخطاء شيوعاً في التعامل مع الصفحات المشبوهة الانجرار إلى الرد عليها بعاطفة وانفعال، وإقصاء العقل عن المشهد، والتفاعل مع محتواها بطريقة تحقق لها ما تسعى إليه. فهذه الصفحات تتغذى على الضجيج والانفعالات والتعليقات الغاضبة، وكلما ازداد الجدل حولها ارتفعت نسبة انتشارها واتسعت دائرة تأثيرها، لأن هدفها الأول ليس إقناع الناس بقدر ما هو جذب الانتباه وإثارة الفوضى والجدل.
وليس خافياً أن الحرب النفسية كانت وما زالت إحدى الأدوات التي يستخدمها الاحتلال الإسرائيلي في صراعه مع الشعب الفلسطيني. فإلى جانب القوة العسكرية، تسعى أجهزته إلى توظيف الإشاعات والرسائل المضللة لإضعاف المعنويات، وإثارة الشكوك، وتعميق الانقسامات الداخلية، وإرباك حالة الصمود الوطني. وتنجح هذه الأدوات بقدر ما تجد من يصدقها أو يروج لها، بينما تتراجع فعاليتها أمام مجتمع واعٍ يمتلك القدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل.
وفي المقابل، توجد صفحات وأفراد يمارسون نشر الإشاعات دون ارتباط مباشر بأي جهة، مدفوعين بالرغبة في الإثارة أو الشهرة أو زيادة التفاعل. لكن النتيجة تبقى واحدة؛ وهي المساهمة في نشر الشكوك وإحداث شرخ اجتماعي وإنساني يضعف مناعة المجتمع وقدرته على مواجهة التحديات.
إن الخطورة الحقيقية لا تكمن في الإشاعة ذاتها، بل في البيئة التي تسمح لها بالانتشار. فبعض الصفحات تراهن على ردود الفعل أكثر مما تراهن على محتواها، وتدرك أن الغضب الجماهيري هو الوقود الذي يمنحها مزيداً من الحضور والتأثير.
ومن هنا، فإن فلسفة التعامل مع هذه الظاهرة يجب أن تقوم على عدة مرتكزات أساسية: عدم الانجرار إلى ردود الفعل العاطفية، والتحقق من المعلومات قبل تداولها، وعدم منح الصفحات المشبوهة فرصة تحقيق أهدافها عبر إعادة نشر محتواها أو الترويج لها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى جانب تعزيز ثقافة الوعي المجتمعي باعتبارها خط الدفاع الأول في مواجهة حملات التضليل.
إن المجتمعات القوية لا تنتصر فقط بقدرتها على مواجهة الأخطار الخارجية، بل أيضاً بقدرتها على حماية وعيها من الاختراق والتلاعب. فكل إشاعة لا تجد من يصدقها أو يروج لها تموت تلقائياً، بينما تتحول إلى خطر حقيقي عندما تجد بيئة خصبة للتداول والانتشار.
إن فلسفة الرد في الأزمات لا تقوم على توسيع الأزمة، بل على احتوائها. فليس كل ما يُقال يستحق الرد، وليس كل ما يُنشر يستحق التفاعل. وفي كثير من الأحيان، يكون تجاهل الإشاعة ومحاصرتها بالوعي والحكمة أكثر فاعلية من خوض معركة مجانية تمنحها حياة جديدة وانتشاراً أوسع.
فالوعي ليس مجرد معرفة، بل هو أيضاً القدرة على اختيار متى نتكلم، ومتى يكون الصمت أبلغ من كل رد.



