من القبائل الأخلاقية إلى قبائل الانتظار: الإنسان في قطاع غزة بين الشعارات والخسارات.. نضال احمد جابر جودة.

يعكس كتاب “قبائل أخلاقية”، في مقدمته كما يرويها جوشوا غرين قصة مجتمع رعوي كان يوزع المراعي وفق قاعدة واضحة: لكل أسرة نصيب يتناسب مع عدد أفرادها. كانت قاعدة عادلة في ظاهرها، مستقيمة في منطقها، لا تعرف المحاباة ولا الاستثناء.
لكن الحياة وضعت تلك القاعدة أمام اختبار أخلاقي صعب. فقدت إحدى الأسر ستة من أبنائها، وكان من المفترض أن تنخفض حصتها من المراعي وفقاً للنظام المعمول به. غير أن مجلس الشيوخ اختار أن يتجاوز الحسابات المجردة، وأن ينظر إلى الإنسان قبل الأرقام. يومها انتصرت الرحمة على النص، وغلب الضمير صرامة القاعدة.
لم يكن القرار متعلقاً بالمراعي فقط، بل بفكرة أعمق: أن الجماعات تبقى متماسكة عندما تدرك أن القواعد وُجدت لخدمة الإنسان، لا أن يُضحّى بالإنسان من أجل القواعد.
هذه الفكرة تفتح باباً واسعاً للتأمل في الواقع الفلسطيني، وخصوصاً في قطاع غزة.
فخلال العقود الماضية تشكلت انتماءات سياسية وتنظيمية وفكرية متعددة، لكل منها روايتها الخاصة ومفرداتها الخاصة في تفسير الواقع. ومع مرور الوقت تحولت هذه الانتماءات إلى ما يشبه القبائل الأخلاقية التي تحدث عنها غرين؛ جماعات تدافع عن رؤيتها للعالم وتتمسك بسرديتها الخاصة.
غير أن الفارق الجوهري يكمن في السؤال الذي طرحته كل قبيلة على نفسها عند وقوع الأزمات.
ففي قصة غرين كان السؤال: كيف نحمي الإنسان عندما يتضرر؟
أما في واقعنا الفلسطيني، فكثيراً ما بدا أن السؤال أصبح: كيف نحافظ على الموقف؟ كيف نحمي الشعار؟ كيف نثبت صحة الرواية؟
وبين السؤالين ضاعت سنوات طويلة من أعمار الناس.
فالمشكلة لم تكن دائماً في حجم الأزمات وحدها، بل في كيفية إدارتها، وفي الأولويات التي حكمت التعامل معها. إذ بينما كانت الحاجة تقتضي تعزيز المؤسسات العامة وحماية دورها باعتبارها الضامن الحقيقي لصمود المجتمع، أخذت تنمو مسارات موازية أضعفت المؤسسة الرسمية وأرهقتها، وتحولت بعض الخدمات من مسؤولية مؤسسية مستقرة إلى مشاريع مؤقتة مرتبطة بالتمويل والظروف الطارئة.
وفي ظل هذا الواقع ظهرت ظواهر لم تكن مجرد نتائج جانبية للأزمة، بل مؤشرات على خلل أعمق في إدارة المجتمع نفسه. فازدهرت تجارة السيولة على حساب حاجات الناس، وتحولت الخيام من ملاذ مؤقت إلى مشهد دائم، وتراجعت قدرة المؤسسات على توفير الحد الأدنى من الاستقرار الذي يحتاجه الإنسان ليبني حياته ويخطط لمستقبله.
ومع ذلك، جاءت أصوات متأخرة تطالب بالحفاظ على الجبهة الداخلية، وكأن الجبهة الداخلية مجرد شعار يُرفع في أوقات الخطر. بينما الحقيقة أن الجبهة الداخلية تُبنى قبل الأزمات بحماية المؤسسات، وصون العدالة الاجتماعية، ومنع استغلال الناس، والحفاظ على كرامتهم عندما تشتد حاجتهم.
لقد أدرك شيوخ ذلك المجتمع الرعوي أن الحفاظ على الجماعة يبدأ من تضميد جراح أكثر أفرادها ضعفاً. أما في غزة، فقد أمضى كثير من الناس سنوات طويلة وهم يشعرون أن المطلوب منهم حماية الجبهة الداخلية، في وقت لم يجدوا فيه من يحمي الجبهة الداخلية داخلهم؛ جبهة الأمل والاستقرار والثقة بالمستقبل.
وهكذا تشكلت ظاهرة يمكن وصفها بـ”قبائل الانتظار”.
قبائل لا يجمعها برنامج سياسي واحد، بل يجمعها المصير نفسه.
ينتظر أفرادها العلاج والسفر والعمل والإعمار والاستقرار.
وينتظرون نهاية الأزمات التي تتوالد من أزمات أخرى.
حتى أصبح الانتظار نفسه نمط حياة.
ومع مرور الوقت لم تعد المشكلة مقتصرة على الخسائر المادية. فالإنسان يستطيع أن يعوض بيتاً أو وظيفة أو مالاً، لكنه لا يستطيع استعادة السنوات التي تضيع من عمره وهو ينتظر.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية.
فإذا كانت القبائل الأخلاقية التي تحدث عنها غرين قد انتصرت لإنسان فقد أبناءه، فإن قبائل الانتظار الفلسطينية لم تخسر أبناءها فقط، بل خسرت الوقت أيضاً.
خسرت أعماراً كاملة في طوابير الانتظار.
وخسرت ثقة الإنسان بقدرته على التأثير في واقعه.
وخسرت شعوره بأنه حاضر في مركز القرار لا على هامشه.
فالمجتمعات لا تنهار فقط عندما تفقد مواردها، بل عندما يفقد الإنسان إيمانه بأن حياته تهم من يديرون شؤونها.
ولهذا لا يكفي أن نسأل كيف نحافظ على الجبهة الداخلية، بل ينبغي أن نسأل أولاً: كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الإنسان الفلسطيني ينتظر كل شيء تقريباً؟
فحين تحرس القبيلة شعارها أكثر مما تحرس إنسانها، تتحول القبائل الأخلاقية إلى قبائل انتظار.
ويبقى السؤال معلقاً:
إذا كان مجلس الشيوخ في قصة غرين قد غيّر القاعدة من أجل أسرة فقدت أبناءها، فمن يغيّر اليوم أولوياته من أجل شعب يفقد أعوام عمره كلها في الانتظار؟



