تسعة عشر عامًا على الانقلاب والانقسام: عندما انتصر السلاح على الوطن .. بقلم : د . عبد الرحيم جاموس

في الرابع عشر من حزيران/يونيو 2007، دخل الشعب الفلسطيني واحدة من أكثر المحطات إيلامًا وخطورة في تاريخه الوطني المعاصر، عندما حُسم الصراع الداخلي بالقوة المسلحة، وسيطرت حركة حماس عبر كتائب القسام والقوة التنفيذية على قطاع غزة، لتبدأ مرحلة جديدة من الانقسام السياسي والجغرافي والمؤسسي ما زالت تداعياتها تتفاعل حتى يومنا هذا.
لم يكن ما جرى مجرد خلاف سياسي بين حركتين كبيرتين، ولم يكن مجرد تنازع على السلطة أو الصلاحيات، بل كان حدثًا مفصليًا أعاد تشكيل الواقع الفلسطيني برمته، وأدخل القضية الفلسطينية في مسار بالغ التعقيد، ما تزال آثاره ماثلة في كل تفاصيل الحياة الوطنية الفلسطينية.
لقد كان الانقسام، بكل ما حمله من تداعيات، أحد أخطر المنعطفات التي واجهت المشروع الوطني الفلسطيني منذ انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة، لأنه أصاب جوهر الفكرة الوطنية الفلسطينية القائمة على وحدة الشعب والأرض والقضية والتمثيل السياسي.
عندما انتصر السلاح على السياسة
للمرة الأولى في التاريخ الفلسطيني المعاصر، جرى اللجوء إلى السلاح لحسم خلاف سياسي داخلي بهذا الحجم والخطورة.
السلاح الذي كان يفترض أن يبقى موجهًا نحو الاحتلال، تحول إلى أداة لفرض واقع سياسي داخلي جديد. وبغض النظر عن المبررات والروايات التي سيقت آنذاك، فإن النتيجة العملية كانت انهيار الشراكة الوطنية، وانقسام المؤسسات، وانفصال غزة عن الضفة الغربية سياسيًا وإداريًا وأمنيًا.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الفلسطينيون يعيشون ضمن نظام سياسي واحد، ولا تحت مرجعية وطنية واحدة، بل باتوا أمام سلطتين وبرنامجين ورؤيتين متباينتين لإدارة الشأن الوطني.
وكانت تلك بداية التراجع الكبير الذي أصاب النظام السياسي الفلسطيني وأفقده الكثير من عناصر قوته وفاعليته.
من المشروع الوطني إلى المشاريع الفصائلية
لعل أخطر ما نتج عن الانقسام أنه نقل الفلسطينيين من حالة السعي إلى بناء مشروع وطني جامع، إلى حالة تنافس بين مشاريع فصائلية متنازعة.
فبدل أن تكون البوصلة متجهة نحو إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس وضمان حق العودة للاجئين، أصبحت الأولوية لدى الأطراف المتصارعة هي تثبيت مواقع النفوذ وإدارة مناطق السيطرة والحفاظ على موازين القوى الداخلية.
وهكذا تراجع المشروع الوطني الجامع لصالح حسابات فئوية وتنظيمية ضيقة، وتراجعت مكانة المؤسسات الوطنية الجامعة، وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية، التي يفترض أن تشكل المرجعية السياسية العليا للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.
ولم يكن ذلك مجرد خلل سياسي عابر، بل تحول تدريجيًا إلى أزمة بنيوية أصابت النظام الوطني الفلسطيني في عمقه.
الهدية الاستراتيجية الأكبر لإسرائيل
يصعب إنكار أن المستفيد الأكبر من الانقسام الفلسطيني كان الاحتلال الإسرائيلي.
فقد وجد اليمين الإسرائيلي في هذا الانقسام فرصة تاريخية لتبرير سياساته أمام العالم، والترويج لمقولة عدم وجود شريك فلسطيني موحد، والعمل على تكريس الفصل بين غزة والضفة الغربية باعتباره واقعًا دائمًا.
وخلال سنوات الانقسام، توسع الاستيطان بصورة غير مسبوقة، وتسارعت عمليات تهويد القدس، وتراجعت فرص الحل السياسي، فيما انشغل الفلسطينيون بإدارة خلافاتهم الداخلية وصراعاتهم الفصائلية.
بل إن الانقسام وفر للاحتلال ما كان يسعى إليه منذ عقود: تفكيك الوحدة السياسية للشعب الفلسطيني وتحويل الجغرافيا الفلسطينية إلى كيانات منفصلة ومتنازعة.
لقد أصبح الاحتلال أقل حاجة إلى تمزيق الفلسطينيين، لأن الفلسطينيين باتوا يعيشون واقع الانقسام بأيديهم.
غزة بين الشعارات والواقع
على مدى سنوات طويلة، رُفعت شعارات كبرى حول المقاومة والتحرير وتغيير موازين القوى.
غير أن تقييم التجارب السياسية لا يكون بالشعارات أو النوايا، وإنما بالنتائج والوقائع.
فبعد تسعة عشر عامًا من الانقسام، تعرض قطاع غزة لسلسلة من الحروب المدمرة والحصارات الخانقة والأزمات الإنسانية المتفاقمة، وصولًا إلى الكارثة غير المسبوقة التي شهدها القطاع خلال الحرب الأخيرة، والتي أوقعت عشرات الآلاف من الضحايا والجرحى والمفقودين، وأدت إلى دمار هائل طال البشر والحجر ومقومات الحياة الأساسية.
وهنا يبرز سؤال وطني مشروع لا يجوز الهروب منه:
هل خدمت السياسات التي أُدير بها قطاع غزة المشروع الوطني الفلسطيني؟ أم أنها ساهمت، عن قصد أو غير قصد، في إدخال الشعب الفلسطيني في مواجهات باهظة الكلفة دون تحقيق الأهداف الوطنية المرجوة؟
إن من حق أي شعب مقاومة الاحتلال، بل إن مقاومة الاحتلال حق تكفله الشرائع الدولية. لكن من حق الشعب أيضًا أن يسأل، وأن يناقش، وأن يحاسب، وأن يعرف كيف تُتخذ القرارات المصيرية المتعلقة بحياته ومستقبله ومصيره.
تغييب الشراكة والمساءلة
من أخطر نتائج الانقسام أنه أضعف مفهوم الشراكة الوطنية، وأضعف معه آليات الرقابة والمساءلة.
فالقضايا المصيرية الكبرى المتعلقة بالحرب والسلم والمفاوضات والعلاقات الإقليمية والدولية لا يمكن أن تبقى رهينة قرار فصيل أو مجموعة أو قيادة بعينها، مهما كانت مكانتها أو حجمها.
فالقضية الفلسطينية ليست ملكًا لأحد، والشعب الفلسطيني ليس مجرد متلقٍ للقرارات، بل هو صاحب الحق الأول في المشاركة في صنعها ومراجعتها ومحاسبة من يتخذها.
وقد أثبتت التجارب أن غياب المؤسسات الوطنية الجامعة وغياب الرقابة الديمقراطية يؤديان دائمًا إلى أخطاء استراتيجية يدفع الشعب ثمنها من دمه ومستقبله وأحلامه.
الشتات… الضحية المنسية
ولعل من أكثر ضحايا الانقسام تهميشًا هم الفلسطينيون في الشتات.
فبينما انشغلت القوى السياسية بصراعات السلطة والنفوذ، تراجع دور ملايين الفلسطينيين المنتشرين في المنافي ومخيمات اللجوء، رغم أنهم يشكلون أكثر من نصف الشعب الفلسطيني ويحملون قضية العودة بوصفها أحد أهم ثوابت القضية الوطنية.
وقد أدى الانقسام إلى مزيد من إضعاف حضورهم وتأثيرهم في مؤسسات القرار الوطني، وإلى تراجع الاهتمام بإعادة بناء المؤسسات التمثيلية الجامعة على أسس ديمقراطية تضمن مشاركة الجميع.
مراجعة وطنية شجاعة
بعد تسعة عشر عامًا، لم يعد المطلوب تبادل الاتهامات أو إعادة إنتاج السجالات القديمة.
المطلوب اليوم هو مراجعة وطنية شاملة وصريحة وشجاعة، تعترف بأن الانقسام كان خطأً تاريخيًا جسيمًا، وأن الاحتكام إلى القوة لحسم الخلافات الداخلية ألحق أضرارًا بالغة بالقضية الفلسطينية وبوحدة شعبها.
كما أن هذه المراجعة يجب أن تشمل إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس الشراكة والديمقراطية والانتخاب والتمثيل الحقيقي، وإعادة الاعتبار للمؤسسات الوطنية الجامعة، وتجديد شرعياتها، وإشراك جميع مكونات الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات في صنع القرار الوطني.
فلا يمكن مواجهة التحديات الوجودية التي تعصف بالقضية الفلسطينية بعقلية الإقصاء أو التفرد أو الهيمنة، بل بعقلية الشراكة والوحدة والمسؤولية الوطنية الجماعية.
بعد تسعة عشر عامًا…
بعد تسعة عشر عامًا على ذلك اليوم المشؤوم، لم يعد السؤال: من انتصر في حزيران 2007؟
ففي الحقيقة لم ينتصر أحد.
غزة خسرت، والضفة خسرت، واللاجئون خسروا، والنظام السياسي الفلسطيني خسر، والمشروع الوطني الفلسطيني خسر.
أما الرابح الأكبر فكان الاحتلال الإسرائيلي الذي وجد في الانقسام فرصة ذهبية لتعميق مشروعه الاستعماري والاستيطاني وتفكيك وحدة الشعب الفلسطيني.
إن السؤال الحقيقي اليوم ليس من كان على حق ومن كان على باطل، بل: متى يمتلك الفلسطينيون الشجاعة الكافية للاعتراف بأن الانقسام كان أحد أكبر الأخطاء الوطنية في تاريخهم المعاصر؟ ومتى يبدأ العمل الجاد لإنهاء آثاره واستعادة الوحدة الوطنية؟
فالأوطان لا تُبنى بالغلبة، والقضايا العادلة لا تنتصر بالانقسام، والشعوب التي تناضل من أجل الحرية لا تستطيع أن تحقق أهدافها وهي منقسمة على ذاتها.
ولعل أعظم وفاء لفلسطين، ولتضحيات شعبها، ولآلام غزة والضفة والشتات، هو أن تتحول هذه الذكرى الحزينة من مناسبة لاستحضار المأساة إلى محطة للمراجعة الوطنية الصادقة، حتى لا تتكرر الأخطاء ذاتها، وحتى تستعيد القضية الفلسطينية وحدتها وبوصلتها ووجهتها الوطنية الجامعة.
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض
14/6/2026 م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com