المريض الغائب بين الأصنام الإدارية وتقاطع.. نضال احمد جابر جودة

المصالح: قراءة في واقع القطاع الصحي بقطاع غزة

لا يشتكي مرضى قطاع غزة من المرض وحده، بل من منظومة كاملة تتحدث عنهم أكثر مما تستمع إليهم. فبينما تتسع دائرة الاجتماعات والمؤتمرات وورش العمل والاستراتيجيات الصحية، تتراجع مساحة حضور المريض في تحديد أولوياته والتعبير عن احتياجاته الحقيقية. الجميع يتحدث باسم المرضى، لكن قليلين فقط يصغون إلى شكواهم، وقليلون من يجعلون معاناتهم نقطة الانطلاق في صناعة القرار الصحي.
لقد فرضت سنوات الحصار والانقسام والحروب المتعاقبة واقعًا صحيًا شديد التعقيد، تشارك في إدارته ثلاثة قطاعات رئيسية: القطاع الحكومي، والقطاع الخاص، والقطاع الأهلي والدولي. ولكل قطاع مبرراته وأدواره وتحدياته، إلا أن النتيجة النهائية التي يراها المريض لا تُقاس بعدد الجهات الفاعلة، بل بقدرته على الوصول إلى خدمة صحية مستقرة وواضحة وعادلة.
غير أن المشهد الصحي في غزة لم يعد قائمًا على منظومة موحدة تتكامل فيها الأدوار بقدر ما أصبح أقرب إلى مسارات متوازية ومتقاطعة في آن واحد. فهناك جهات تمتلك القرار، وأخرى تمتلك التمويل، وثالثة تمتلك القدرة على التنفيذ، بينما يجد المريض نفسه متنقلًا بين هذه المسارات بحثًا عن حقه في العلاج، دون أن تكون هناك جهة واحدة تتحمل المسؤولية الكاملة عن رحلته العلاجية.
وفي قلب هذا الواقع برزت ما يمكن تسميته بالأصنام الإدارية. ولا يُقصد بها أشخاصًا بعينهم، بل منظومة من المواقع والهياكل والبرامج والمصالح التي تتحول مع الزمن إلى غايات قائمة بذاتها. ففي القطاع الحكومي قد يتمثل الصنم الإداري في هيكل أو لجنة أو موقع وظيفي يصبح الحفاظ عليه أهم من تطوير الخدمة الصحية ذاتها. وفي القطاع الأهلي والدولي قد يتمثل في مشروع يستمر لأن التمويل مستمر، لا لأن الحاجة المجتمعية ما زالت قائمة. أما في القطاع الخاص فقد يتمثل في تغليب الاعتبارات الاقتصادية على الاحتياجات الصحية الملحة للمجتمع. ورغم اختلاف أشكالها، فإن هذه الأصنام تشترك في سمة واحدة؛ فهي تدفع المؤسسة إلى حماية ذاتها واستمرارها قبل الانشغال الكافي بحماية المريض وخدمته.
ولا تكمن المشكلة في وجود القطاع الخاص أو في دور المؤسسات الأهلية والدولية أو حتى في تعدد الفاعلين داخل القطاع الصحي، فالمجتمعات التي تمر بالأزمات تحتاج بطبيعتها إلى تعدد أدوات الاستجابة. لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحول العلاقة بين هذه القطاعات إلى شبكة من المصالح المتقاطعة التي تجعل المؤسسة محور الاهتمام بدلًا من الإنسان.
فالقطاع الحكومي يسعى للحفاظ على حضوره وشرعيته المؤسسية، والقطاع الخاص يبحث عن الاستمرار والتوسع، بينما تعمل المؤسسات الأهلية والدولية ضمن أولويات التمويل ومتطلبات المشاريع ومؤشرات الأداء المرتبطة بها. وهي أهداف قد تبدو مشروعة من منظور كل قطاع، لكنها تصبح مصدر خلل عندما تتقدم على احتياجات المرضى أو عندما تُصاغ الأولويات الصحية بعيدًا عن أصواتهم وتجاربهم اليومية.
ومن هنا تتجلى أزمة الفئة المستهدفة الغائبة. فالمرضى، وخصوصًا مرضى الأورام والأمراض المزمنة والفشل الكلوي والأمراض الكبدية المزمنة، كثيرًا ما يتحولون إلى موضوع للنقاش بدلًا من أن يكونوا شركاء فيه. تُناقش احتياجاتهم داخل القاعات المغلقة، وتُصاغ السياسات المتعلقة بهم، وتُكتب التقارير التي تتحدث عن معاناتهم، بينما يبقى حضورهم في كثير من الأحيان رمزيًا أو شكليًا.
وأصبح من المألوف أن تُقاس النجاحات بعدد التدريبات المنفذة، والورش المعقودة، والتقارير المرفوعة، والشراكات الموقعة، أكثر مما تُقاس بمدى تحسن حياة المرضى أو سهولة وصولهم إلى العلاج أو استقرار الخدمات المقدمة لهم. وهنا يتحول المريض من صاحب حق إلى مستفيد، وتتحول شكواه من مصدر لصناعة السياسات إلى معلومة تكميلية داخل تقرير أو عرض تقديمي.
وفي القطاع الصحي تحديدًا تبدو آثار هذا الخلل أكثر وضوحًا. فالمريض لا يبحث عن مؤتمر يناقش معاناته، بل يبحث عن دواء متوفر، وتشخيص دقيق، ومسار علاجي واضح، وخدمة مستقرة يمكن الاعتماد عليها. ومرضى الأورام لا يحتاجون إلى مزيد من الحديث عن احتياجاتهم بقدر حاجتهم إلى منظومة صحية تعرف احتياجاتهم مسبقًا وتعمل على تلبيتها بصورة مستدامة. كما أن مرضى الأمراض المزمنة لا تعنيهم المصطلحات الإدارية بقدر ما يعنيهم ألا تنقطع أدويتهم وألا تتعطل خدماتهم وألا يصبح علاجهم رهينة للتقلبات الإدارية أو التمويلية.
لقد دفع المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة أثمانًا باهظة من صحته وأمنه واستقراره الاجتماعي والاقتصادي. وهناك آلاف المرضى الذين يواجهون المرض والفقر والنزوح وفقدان مصادر الدخل في الوقت نفسه. وفي ظل هذا الواقع يصبح السؤال أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: كيف يمكن التخطيط للمرضى دون الاستماع إلى المرضى؟ وكيف يمكن تحديد أولوياتهم دون إشراكهم في تحديدها؟
إن الأزمة الحقيقية ليست أزمة موارد فقط، وليست أزمة تمويل فقط، بل هي أيضًا أزمة فلسفة إدارية. فحين يصبح الحديث عن المرضى بديلًا عن الاستماع إليهم، وتمثيلهم بديلًا عن مشاركتهم، وإدارة المشاريع بديلًا عن معالجة المشكلات، تتسع الفجوة بين ما يُكتب في الخطط والاستراتيجيات وبين ما يعيشه الناس على أرض الواقع.
إن إصلاح القطاع الصحي في غزة لا يبدأ بمزيد من المؤتمرات، بل يبدأ بإعادة المريض إلى مركز المشهد. يبدأ بالاستماع إلى شكواه، وفهم احتياجاته، وإشراكه في تقييم الخدمات الموجهة إليه. ويبدأ كذلك بإعادة الاعتبار للمؤسسة الصحية بوصفها أداة لخدمة الإنسان لا غاية قائمة بذاتها، وبإخضاع جميع الفاعلين الصحيين لمعايير واضحة من المساءلة والكفاءة والمسؤولية المجتمعية.
فالمريض ليس رقمًا في قاعدة بيانات، ولا مستفيدًا في مشروع ممول، ولا حالة تُذكر في تقرير دوري. المريض هو الغاية التي وُجدت من أجلها المؤسسات الصحية جميعها. وما لم تستعد المنظومة الصحية هذه الحقيقة البسيطة، ستظل الخطط تُكتب، والمؤتمرات تُعقد، والتقارير تُنشر، بينما تستمر معاناة المرضى في البحث عن مكان لها داخل نظام يفترض أنه أُنشئ من أجلهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com