وعي الاختيار وإدارة المعارك الفكرية.. بقلم/ د. مروان مشتهى

ليس كل نقاشٍ يستحق الرد، وليست كل معركةٍ تستحق خوض غمارها؛ فصيانة المسافات الفكرية أدبٌ مع الذات، والانسحاب من الفوضى صيانةٌ للنفس، وتسامٍ بالروح عن الانزلاق في أتون النقاشات العقيمة. إن الانسحاب الذكي ليس هزيمة، بل هو إعادة تموضع، وعزلٌ للنفس عن مستنقعات الجدل التي لا تورث إلا ضغينة القلوب وتبديد الطاقات.
فالأشخاص الفارغون كالأواني الفارغة تماماً، لا يصدر عنهم إلا ضجيجٌ مزعج، دون أن تجني منهم أدنى فائدة، سوى إرباك المشهد، وكيل الانتقادات، وصناعة الفوضى الممنهجة من أجل مواراة عجزهم وفشلهم؛ إنهم يقتاتون على إثارة الغبار ليُخفوا عجزهم عن السير في ميادين الإنجاز الحقيقي. فالعقول الفارغة تتقن صناعة الفوضى؛ لأن الضجيج هو وسيلتها الوحيدة لإثبات الحضور في مشهدٍ لا تملك فيه وزناً ولا قيمة.
وبالمقابل، نجد الأشخاص الرصينين، أصحاب المحتوى الهادف والفكر الواعي، لهم بريقهم الخاص؛ كلماتهم معدودة، وأفعالهم مشهودة، لا يقولون إلا ما يفعلون. أصحاب المحتوى الرصين يتحركون بوقار الواثق؛ صمتهم فكرة، وحديثهم يأنس له القلب وتطرب له الآذان، لا يدعون المعرفة ولكنهم يتركون أثراً لا ينسى في قلوب الآخرين. فالمعرفة الحقة تُورث صاحبها سكينةً وتواضعاً، تماماً كالأنهار العميقة التي تجري في صمت، فهم كالأشجار أصلها ثابت وفرعها في السماء. ولله درّ الشاعر حين اختزل هذا المشهد البديع بقوله:
مَلأَى السَّنَابِلِ تَنْحَنِي بِتَوَاضُعٍ … وَالْفَارِغَاتُ رُؤُوسُهُنَّ شَوَامِخُ
وفي هذا السياق، ينبغي علينا اختيار الأصحاب بعناية فائقة؛ فالمرء يُعرف بمن يصاحب ويُخالل. إن مجالسة أصحاب العقول الحكيمة ترفع من سقف وعيك وتدفعك نحو القمة، حيث أن الأصدقاء الحقيقيون هم قناديلُ تضيء عتمة الطريق، وتجد لديهم الحكمة والموعظة الحسنة؛ فاقترب من هؤلاء، واجعل محيطك بيئةً خصبة تنمو فيها الفكرة، وتزكو فيها النفس، وتترسخ بها القيم، ونحِّ عن طريقك العقول الفارغة.
وقد اختصر لنا الرسول الكريم -عليه الصلاة والسلام- هذا الميزان الاجتماعي الخالد في وصفه للجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير



