صحوة متأخرة أم توريث لعبء عامين ونصف؟.. نضال احمد جابر جودة

إن التعامل مع ما يقارب عشرين ألف معاملة تحويلة طبية متراكمة يتطلب آلية استثنائية وجديدة، لا تقوم على ترحيل الأخطاء والتراكمات السابقة، بل على مراجعة شاملة للملف برمته. كما أن مراجعة السجل المدني أصبحت ضرورة لا غنى عنها، فخلال السنوات الماضية مرت غزة بظروف استثنائية وقاسية، وكثير من المرضى الذين سُجلت أسماؤهم ضمن قوائم التحويلات قد توفاهم الله، فيما تغيرت أوضاع آخرين الصحية أو الإدارية، الأمر الذي يجعل أي معالجة جادة لهذا الملف مرتبطة أولاً بتنقية البيانات وتحديثها.
ولطالما ناشدنا وأوصينا بضرورة إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل السابع من أكتوبر 2023، من خلال تفعيل دور دائرة العلاج بالخارج ودائرة تنسيق وارتباط المرضى باعتبارهما الجهتين المختصتين قانونياً وإدارياً بإدارة ملف التحويلات الطبية، بعيداً عن المسارات الموازية والترتيبات الاستثنائية التي أفرزتها ظروف الحرب وما رافقها من اجتهادات إدارية وخدماتية.
وفي هذا السياق، جاء تصريح أحد مسؤولي الصحة في غزة، بعد ما يقارب عامين ونصف من تهميش وتغييب دور دائرة العلاج بالخارج ودائرة تنسيق وارتباط المرضى، معلناً جاهزية الجهات القائمة على الملف لتسليمه مجدداً إلى دائرة العلاج بالخارج، ومطالباً وزير الصحة الفلسطيني الدكتور ماجد أبو رمضان باستلامه.
ورغم أن إعادة الملف إلى مساره الإداري الطبيعي تمثل خطوة مرحباً بها من حيث المبدأ، فإنها تثير تساؤلات مشروعة حول توقيت هذا الإعلان. فبعد عامين ونصف من إدارة الملف عبر مسارات موازية وبدائل إدارية جرى تقديمها باعتبارها بديلاً عن المؤسسات المختصة، يبدو هذا التوجه أقرب إلى صحوة متأخرة منه إلى مراجعة حقيقية للسياسات السابقة. كما أنه يطرح مخاوف حقيقية من أن يتحول الأمر إلى مجرد توريث لعبء إداري وفني وإنساني تراكم على مدار سنوات، لتتحمله فجأة الجهات التي جرى تهميشها وإبعادها عن المشهد طوال تلك الفترة.
إن إعادة تفعيل دور دائرة العلاج بالخارج ودائرة تنسيق وارتباط المرضى يجب ألا تكون مجرد عملية نقل للملفات والمسؤوليات، بل يجب أن تقترن بإعادة بناء منظومة التحويلات الطبية وفق أسس مهنية وإدارية واضحة، تضمن سلامة الإجراءات ودقة البيانات وحسن إدارة الموارد المتاحة.
ومن هنا، فإن أي آلية جديدة يجب أن تنطلق من مراجعة شاملة للملفات المتراكمة، مع إعطاء الأولوية المطلقة لمرضى الأورام والفشل الكلوي والأمراض الكبدية، باعتبارها حالات لا تحتمل التأخير أو إعادة الإجراءات من بدايتها. كما يجب تدقيق جميع البيانات ومطابقتها مع السجل المدني والسجلات الطبية المحدثة، بما يضمن تنقية القوائم من الحالات التي تغيرت أوضاعها أو توفاها الله خلال الفترة الماضية.
إن نجاح هذه الخطوة لن يقاس بمجرد الإعلان عن تسليم الملف أو استلامه، بل بقدرتها على معالجة آثار المرحلة السابقة، وإنهاء حالة التداخل والازدواجية، وإعادة الاعتبار للمؤسسات المختصة، ووضع نظام إداري موحد وعادل يضمن وصول المرضى إلى حقهم في العلاج بعيداً عن الارتجال والتجريب وتراكم الأعباء من مرحلة إلى أخرى.



