وعي الضرورة في قطاع غزة، والصوت الذي لا يُسمع.. نضال احمد جابر جودة

في قطاع غزة لم يعد الحديث عن المعاناة ترفًا فكريًا أو مادة للخطابات العامة، بل واقعًا يوميًا يعيشه الناس بكل تفاصيله. فهناك من فقد منزله، ومن فقد مصدر رزقه، ومن ينتظر فرصة علاج، ومن يعيش النزوح والتشرد والفقر وانعدام الأمان. وسط هذا الواقع القاسي تشكل لدى الغالبية العظمى من أبناء المجتمع وعي عميق بحقيقة احتياجاتهم وأولوياتهم، وبأن استمرار الأزمات لم يعد يحتمل المزيد من الوقت أو التجارب الفاشلة.
هذا الإدراك الجمعي يمكن وصفه بـ”وعي الضرورة”، وهو الوعي الذي ينشأ عندما تصبح الحاجة إلى الإصلاح وتحسين الواقع ضرورة حياتية وليست مجرد مطلب سياسي أو فكري. فالمواطن في غزة لم يعد يبحث عن الشعارات بقدر بحثه عن حلول حقيقية تعيد له حقه في الحياة الكريمة والخدمات الأساسية والاستقرار المجتمعي.
لكن المشكلة في غزة ليست غياب وعي الضرورة، بل غياب البيئة التي تسمح لهذا الوعي بأن يتحول إلى فعل مجتمعي مؤثر. فكلما ظهرت أصوات أو مبادرات تسعى إلى معالجة المشكلات أو إصلاح الخلل القائم، وجدت نفسها أمام جدار من الاستقطاب الحزبي والحسابات الفصائلية الضيقة. فلا يتم تقييم الأفكار بقدر ما يتم تقييم أصحابها، ولا يُنظر إلى جدواها بقدر ما يُنظر إلى الجهة التي قد تستفيد من نجاحها.
فالنازح والمريض والفقير واليتيم وصاحب المنزل المدمر لا يبحثون عن انتصار حزب على آخر، بل يبحثون عن حياة كريمة وخدمات تحفظ إنسانيتهم. غير أن معاناتهم كثيرًا ما تضيع وسط الضجيج السياسي، وتصبح أولوياتهم رهينة حسابات المجتمع الفصائلي.
ولعل أخطر ما يواجه المجتمع المدني في غزة أن كثيرًا من محاولات الإصلاح تموت قبل أن تولد. فبدل احتضان المبادرات المجتمعية وتطويرها، يجري أحيانًا التشكيك بها أو التقليل من شأنها أو إحباطها حتى تفقد قدرتها على الاستمرار. وهكذا يبقى وعي الضرورة حاضرًا في وجدان الناس، بينما تُغلق أمامه المسارات التي تمكنه من التحول إلى تغيير حقيقي يخدم المجتمع.
إن المأساة الحقيقية ليست في أن المجتمع لا يدرك أزماته، بل في أن المجتمع الذي أدرك الضرورة منذ زمن ما زال عاجزًا عن ترجمة هذا الإدراك إلى واقع ملموس. فبين وعي الناس واحتياجاتهم من جهة، وبين حسابات المجتمع الفصائلي من جهة أخرى، تضيع فرص كثيرة كان يمكن أن تسهم في تخفيف معاناة الإنسان الفلسطيني واستعادة دور المجتمع المدني بوصفه صوت الناس وحامل مصالحهم الحقيقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com