مسافة الثورة.. بين إرادة الإنسان وسنن التاريخ.. بقلم أ. رامي الشقرة

عندما سُئل المفكر والأديب الفلسطيني غسان كنفاني: متى تنتصر الثورة؟ كانت إجابته المختصرة والعميقة: «مسافة الثورة».
منذ ذلك الحين، بقيت هذه العبارة تحمل من المعاني أكثر مما تحمله الكلمات ذاتها؛ لأنها لا تجيب عن سؤال الزمن فقط، بل تفتح بابًا لسؤال أعمق يتعلق بالإنسان ودوره في صناعة التحولات الكبرى. فما بين انطلاق الفكرة وتحقيقها توجد مسافة، لكنها ليست مسافة زمنية فحسب، بل مسافة من الوعي والعمل والصبر والتضحية.
إن مسافة الثورة هي المسافة بين ما نؤمن به وما نستطيع إنجازه، بين الحلم عندما يسكن الوجدان والواقع عندما يتحول إلى مشروع قابل للحياة. وهي اختبار دائم لقدرة الإنسان على تحويل الفكرة من أمنية إلى فعل، ومن رغبة إلى مسؤولية.
غير أن هذه المسافة لا يصنعها الإنسان وحده، كما لا يصنعها الواقع وحده؛ فالحياة تجري وفق سنن وقوانين، والإنسان يتحرك داخل ظروف معقدة تتداخل فيها موازين القوى وتقلبات السياسة وتشابك المصالح وصعوبة الطريق. ومع ذلك، لم يجعل الله التغيير هبة تُنتظر، بل مسؤولية تُحمل وسعيًا يُبذل.
فالثائر لا يملك دائمًا الظروف التي يتمناها، لكنه يملك موقفه منها. قد لا يختار بداية الطريق، لكنه يختار كيف يسير فيه. ومن هنا يصبح الأخذ بالأسباب جزءًا أصيلًا من الإيمان بالفعل، لأن التوكل الحقيقي لا يعني انتظار النتائج دون عمل، بل بذل أقصى الجهد مع اليقين بأن وراء الأسباب حكمة وتقديرًا.
وأخطر ما قد يصيب أي مشروع للتغيير هو فقدان البوصلة؛ فعندما تصبح مواجهة اللحظة أهم من بناء المستقبل، تتحول الثورة إلى سلسلة من ردود الأفعال بدلًا من أن تكون مشروعًا لصناعة التاريخ.
وفي المقابل، فإن الاهتمام بالمستقبل لا يعني الهروب من الحاضر، بل يمنحه معناه الحقيقي. فالإنسان لا يُختبر في النتائج وحدها، وإنما في قدرته على الثبات والعمل وحسن التدبير؛ لأن الأهداف الكبرى لا تتحقق بالأماني، بل بالصبر الواعي والعمل المنظم.
ورغم أن زمن غسان كنفاني كان مختلفًا عن زمننا الراهن، فإن سؤال الثورة ما زال قائمًا، بل ربما أصبح أكثر تعقيدًا. فالعالم اليوم أسرع إيقاعًا، والأحداث أكثر تشابكًا، والمعلومات أكثر كثافة، لكن الأدوات وحدها لا تصنع الانتصار، وإنما تصنعه العقول القادرة على توجيهها ضمن رؤية واضحة.
في جوهرها، ليست مسافة الثورة مجرد مسافة بين البداية والنهاية، بل هي مسافة بين الإنسان وقدرته على الارتقاء إلى مستوى المسؤولية. قد يطيلها الوهم، ويختصرها الوعي، وقد تؤخرها الأخطاء، ويقربها الإخلاص والعمل الجاد.
وفي النهاية، لا تنتصر الثورات فقط عندما تتغير موازين القوة، بل عندما يصبح أصحابها قادرين على حمل مشروعهم بإيمان ووعي وصبر. فالتاريخ لا يُصنع بالانتظار، بل بالسعي، ولا تُقطع المسافات الكبرى إلا بمن جمع بين وضوح الهدف وقوة الإرادة وحسن التوكل.
وهنا يعود السؤال بصورة أعمق:
متى تنتصر الثورة؟
حين تصبح المسافة بينها وبين هدفها أقصر من عزيمة أصحابها.
رئيس معهد فلسطين للدراسات الاستراتيجية



