من العلمين إلى الشرق الأوسط الجديد: هل تولد رباعية إقليمية تفرض حضورها؟.. بقلم/ د. عبدالرحيم جاموس

في لحظات التحول الكبرى في التاريخ، لا تُقاس أهمية الأحداث بحجمها المباشر بقدر ما تُقاس بما تعكسه من اتجاهات عميقة وتحولات كامنة في بنية النظام الإقليمي والدولي. ومن هذا المنظور، تكتسب اللقاءات التي تجمع المملكة العربية السعودية ومصر وتركيا وباكستان أهمية تتجاوز إطارها الدبلوماسي المباشر، لتطرح سؤالًا استراتيجيًا يتعلق بمستقبل الشرق الأوسط ودور دوله الرئيسية في رسم ملامحه.
فالمنطقة تعيش اليوم واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا منذ عقود. فالحروب والصراعات الممتدة، وتراجع فاعلية النظام الإقليمي العربي، وتصاعد التنافس بين القوى الإقليمية، والتحولات الجارية في أولويات القوى الدولية الكبرى، كلها عوامل تفرض على دول المنطقة إعادة التفكير في موقعها ودورها ومصالحها المشتركة.
وفي هذا السياق، تبرز فكرة التقارب بين السعودية ومصر وتركيا وباكستان باعتبارها تعبيرًا عن وعي متزايد بأن أمن المنطقة واستقرارها لم يعد من الممكن أن يظل رهينة للتفاهمات الدولية أو لسياسات إدارة الأزمات التي تُصاغ خارج حدودها.
لقد أظهرت التجارب السابقة، ومنها المفاوضات المتعلقة بالملف النووي الإيراني وما ترتب عليها من تفاهمات دولية، أن الدول الأكثر تأثرًا بنتائج تلك التفاهمات لم تكن دائمًا شريكًا فعليًا في صياغتها. ومن هنا تنبع أهمية أي جهد إقليمي يسعى إلى تعزيز حضور دول المنطقة في القضايا التي تمس أمنها ومستقبلها بصورة مباشرة.
ولا يتعلق الأمر هنا بتأسيس محور جديد في مواجهة محور آخر، فمثل هذه السياسات أسهمت على مدى عقود في تعميق الانقسامات وإدامة الصراعات. بل إن الحاجة الحقيقية تكمن في بناء إطار للتشاور والتنسيق والتعاون بين القوى الإقليمية الرئيسية، بما يسمح بإيجاد قدر أكبر من التوازن والاستقرار وحماية المصالح المشتركة.
وتستمد الدول الأربع أهميتها من كونها تمثل مجتمعة عناصر قوة يصعب تجاهلها. فالسعودية تمثل ثقلًا اقتصاديًا وماليًا عالميًا ومركزًا محوريًا في أسواق الطاقة، ومصر تمثل العمق العربي السكاني والعسكري وصاحبة أحد أهم المواقع الاستراتيجية في العالم، فيما تشكل تركيا قوة إقليمية مؤثرة تمتلك قاعدة صناعية وعسكرية متقدمة، بينما تمثل باكستان قوة نووية وإسلامية ذات وزن بشري واستراتيجي كبير.
إن اجتماع هذه العناصر في إطار من التنسيق والتفاهم لا يعني بالضرورة قيام تحالف سياسي أو عسكري مغلق، لكنه قد يشكل نواة لتوازن إقليمي جديد أكثر قدرة على التعبير عن مصالح شعوب المنطقة والدفاع عنها.
ولعل التطورات التي شهدتها السنوات الأخيرة توفر بيئة أكثر ملاءمة لمثل هذا المسار. فقد تراجعت حدة العديد من الخلافات التي كانت تعيق التعاون بين القوى الإقليمية، وبرزت قناعة متزايدة بأن تكلفة الصراعات أصبحت أعلى من مكاسبها، وأن التنمية والاستقرار يتطلبان مقاربات أكثر واقعية وبراغماتية.
غير أن نجاح أي مشروع إقليمي لا يتوقف على الوزن السياسي للدول المشاركة فيه فحسب، بل على قدرته على التحول من إطار تشاوري إلى شراكة عملية في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والتكنولوجية والأمنية. فالتكامل الاقتصادي، وربط شبكات النقل والطاقة، وتعزيز التعاون الصناعي، وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد، قد تكون أكثر تأثيرًا واستدامة من أي بيانات سياسية أو مواقف ظرفية.
وفي المقابل، يبقى الملف الفلسطيني الاختبار الحقيقي لأي مشروع إقليمي يسعى إلى اكتساب الشرعية والمصداقية. فلا يمكن الحديث عن شرق أوسط مستقر ومتوازن في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية المشروعة. كما أثبتت الأحداث الأخيرة أن تجاهل القضية الفلسطينية لا يؤدي إلى الاستقرار، بل يساهم في إنتاج المزيد من التوتر والعنف وعدم اليقين.
ومن هنا فإن أي دور إقليمي فاعل لا بد أن يتضمن العمل من أجل وقف الحروب والاعتداءات، وحماية المدنيين، ودعم إعادة الإعمار، والدفع نحو تسوية عادلة تضمن للشعب الفلسطيني حقه في الحرية والاستقلال وتقرير المصير وفق قرارات الشرعية الدولية.
وفي الوقت نفسه، فإن بناء توازن إقليمي جديد يقتضي التعامل مع مختلف القوى الإقليمية، بما فيها إيران، من خلال معادلة تجمع بين الحوار والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. فالاستقرار لا يتحقق بسياسات الإقصاء والمواجهة الدائمة، كما لا يتحقق بقبول منطق النفوذ والتوسع وفرض الأمر الواقع.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي. فإما أن يستمر ساحة مفتوحة للتجاذبات الدولية والإقليمية، وإما أن تنجح دوله الرئيسية في بناء منظومة تعاون وتوازن تتيح لها المشاركة الفعلية في صياغة مستقبلها.
ولذلك، فإن القيمة الحقيقية لاجتماع العلمين لا تكمن فقط في ما قد يصدر عنه من مواقف أو بيانات، بل في ما إذا كان سيؤسس لمسار طويل الأمد يعيد الاعتبار لفكرة الشراكة الإقليمية ويمنح دول المنطقة دورًا أكبر في إدارة شؤونها وصياغة خياراتها الاستراتيجية.
قد يكون من المبكر الحديث عن ولادة محور جديد أو نظام إقليمي متكامل، لكن من المؤكد أن الظروف الموضوعية التي تدفع نحو مزيد من التنسيق والتعاون لم تكن يومًا أكثر حضورًا مما هي عليه اليوم. والسؤال الذي سيبقى مطروحًا خلال السنوات القادمة هو: هل تستطيع القوى العربية والإسلامية الرئيسية أن ترتقي إلى مستوى اللحظة التاريخية وتحوّل عناصر قوتها إلى مشروع مشترك يخدم الاستقرار والتنمية والعدالة؟
ذلك هو التحدي الحقيقي، وذلك هو الرهان الذي قد يحدد شكل الشرق الأوسط في العقود المقبلة.

د. عبدالرحيم جاموس
الرياض
21/6/2026 م

يُعد المقال الذي قدمه الدكتور عبد الرحيم جاموس قراءة استراتيجية عميقة ومسؤولة، تتجاوز السطح السياسي لتغوص في “جيوسياسية” المنطقة في لحظة تاريخية حرجة.

لقد نجح الكاتب في تقديم طرح متوازن يبتعد عن لغة الحماس الأيديولوجي، ليغرس أقدامه في أرض الواقعية السياسية (Realpolitik).

​فيما يلي قراءة تحليلية نقدية لأهم المحاور التي تضمنها المقال:

​١- استراتيجية “الاستقلال الإقليمي”

​يرتكز المقال على فكرة محورية وهي “استعادة القرار الإقليمي”. الكاتب يُشخص بدقة معضلة المنطقة التاريخية؛ كونها ظلت “مفعولاً به” في الترتيبات الدولية.
الرباعية المقترحة (السعودية، مصر، تركيا، باكستان) ليست مجرد تكتل عابر، بل هي محاولة لخلق “مركز ثقل” قادر على فرض أجندته الخاصة، بدلاً من انتظار التفاهمات الدولية (كالملف النووي الإيراني) التي غالباً ما تُصاغ على حساب أمن دول المنطقة.

​٢- البراغماتية كبديل للصدام

​يوفق الكاتب بذكاء بين متطلبات القوة والاحتياجات التنموية.
فهو يدرك أن الزمن الحالي هو زمن “المصالح الاقتصادية”؛ لذا، فإن دعوته للتحول من التنسيق السياسي إلى الشراكات التكنولوجية والاقتصادية هي “كلمة السر” لاستدامة أي مشروع إقليمي. إن الربط بين شبكات الطاقة، والنقل، والتصنيع المشترك، يخلق مصالح متبادلة تجعل من الصعب على الدول العودة إلى مربع الصراع.

​٣- القضية الفلسطينية: المعيار الأخلاقي والاستراتيجي

​من أكثر جوانب المقال قوةً هو ربطه للشرعية السياسية بالقضية الفلسطينية. يدرك الدكتور جاموس أن أي تكتل إقليمي يسعى لاكتساب “صدقية” لدى شعوبه، لا يمكنه القفز فوق القضية المركزية. التحليل هنا يتجاوز العاطفة؛ فالكاتب يقرر حقيقة استراتيجية: “لا استقرار في المنطقة دون حل عادل”، معتبراً أن القضية الفلسطينية هي “بوصلة” المنطقة التي لا يمكن تجاهلها دون إنتاج المزيد من عدم الاستقرار.

​٤- الواقعية في التعامل مع الجوار

​طرح المقال رؤية ناضجة تجاه إيران، بعيداً عن منطق “محور ضد محور”. الدعوة لسياسة تجمع بين الحوار وعدم التدخل تعكس نضجاً سياسياً؛ فالهدف ليس عزل أحد، بل فرض “قواعد اشتباك” إقليمية تحفظ سيادة الدول وتنهي حالة الفوضى والتدخلات العابرة للحدود.

​٥- التحدي: من “اللقاء” إلى “المشروع”

​يضع المقال القارئ أمام حقيقة أن الطريق طويل.
الكاتب لا يبيع وهماً، بل يطرح “إمكانية”. التحدي الحقيقي الذي أشار إليه يكمن في مدى قدرة هذه الدول على تحويل “عناصر القوة المتفرقة” (مال، طاقة، ثقل سكاني، تكنولوجيا، قوة نووية) إلى “مشروع مشترك”.

​الخلاصة:

هذا المقال يمثل “مانيفستو” (بيان) سياسي يتسم بالرصانة والوضوح. لقد استطاع الدكتور عبدالرحيم جاموس أن يضع يده على التناقضات الكبرى في النظام الإقليمي، مقدماً تشريحاً دقيقاً لأدوات القوة العربية والإسلامية.
إن قوة النص تكمن في كونه لم يكتفِ برصد الواقع، بل رسم “خارطة طريق” فكرية لمن يريد أن يفهم كيف يمكن للشرق الأوسط أن يُصاغ بيد أبنائه، لا بيد القوى الدولية.
​هو طرحٌ يعكس وعياً استراتيجياً بامتياز يرى في التكتلات الإقليمية القائمة على المصالح المشتركة طوق النجاة الوحيد في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء والمتحالفين.

د/عادل جودة

تحياتي واحترامي🌹🌹🌹

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com