زلزال سياسي في إسرائيل وجمود فلسطيني: هل من فرصة لاستعادة المبادرة؟.. بقلم د. سالم سعد

اللحظات التي تسبق “الزلزال السياسي الكبير” تتسم دائماً بحالة من الإنكار المتأصل. وما تشهده الساحة الإسرائيلية اليوم من تحولات هيكلية يتجاوز في جوهره تبدل الوجوه أو صعود تيارات جديدة؛ إنها عملية إعادة تشكيل شاملة للخارطة الحزبية، يبرز فيها اسم “غادي آيزنكوت” كقطب جذب سياسي يحاول تجاوز الانقسامات التقليدية. ولكن، أمام هذا المشهد الإسرائيلي المتحرك، أين نقف نحن؟
لطالما اعتمدت الاستراتيجية الفلسطينية لسنوات على “مراقبة” المشهد الإسرائيلي، وبناء تقدير الموقف بناءً على هوية الفائز في الانتخابات. هذا النهج أثبت قصوره التاريخي؛ فإسرائيل تغير أدواتها وأولوياتها وفقاً لمصالحها الأمنية والداخلية، بينما ظل الفعل السياسي الفلسطيني أسيراً لردود الفعل، ورهينة لمتغيرات خارجية لا نملك فيها قراراً. إن التحول في إسرائيل، مهما كانت توجهاته، لا يحمل في طياته “خلاصاً” جاهزاً للفلسطينيين، بل يحمل “فرصة”؛ والفرص لا تُمنح، بل تُنتزع.
إن استمرار حالة الجمود الفلسطيني ليست قدراً، بل هي نتاج عوامل باتت تشكل عائقاً أمام أي تقدم استراتيجي فأزمة الشرعية والمؤسسة والفجوة المتسعة بين القيادة والقاعدة الشعبية، وغياب التجديد الديمقراطي عبر صناديق الاقتراع، أضعف من قدرة المؤسسة الرسمية -بما فيها استحقاقات المؤتمر الثامن لحركة “فتح” وهياكلها- على اتخاذ قرارات تاريخية جريئة.
فاستنزاف الانقسام حول “الطاقة الوطنية” إلى أداة للاستنزاف الداخلي، مما أفقدنا بوصلة التركيز على التحديات الوجودية المشتركة.
كذلك تغييب النخب إقصاء الشابة منها والمجتمع المدني والقوى الحية جعل الخطاب السياسي الفلسطيني يبدو خارج سياق العصر وتطلعات الجيل الجديد.
فالتحدي اليوم ليس في “كيف سيتصرف قادة الكيان؟”، بل في “كيف سنقدم أنفسنا كطرف أصيل لا يمكن تجاوزه؟”. لن يُحدث أي تحول سياسي إسرائيلي أثراً إيجابياً للقضية الفلسطينية ما لم يجد الجانب الآخر فلسطينياً قوياً، يمتلك شرعية متجددة تنبثق من إرادة شعبية، ومؤسسات فاعلة تعبر عن تطلعات الكل الفلسطيني.
نحن بحاجة إلى لغة سياسية حديثة قادرة على مخاطبة العالم، والتعامل بمرونة وواقعية مع تحولات الرأي العام الدولي دون التنازل عن الثوابت. إن ترتيب البيت الداخلي وإنهاء الانقسام ليس “شعاراً انتخابياً”، بل هو المتطلب الأمني والسياسي الأول لندخل أي مفاوضات بقوة لا بضعف.
فالتغيير في إسرائيل إذا ما وقع، ولم يواكبه “زلزال سياسي إيجابي” في فلسطين، سيمضي كما مضت فرص التسعينيات وأوائل الألفية. إن الفرق بين “الحدث الإسرائيلي الداخلي” وبين “الفرصة التاريخية” هو نحن.
إن الخطوة العملية الأولى لكسر دائرة الانتظار، وتحويل الحالة الفلسطينية إلى فاعل مؤثر قادر على إنهاء حرب الإبادة وإعادة الاعتبار للقضية، تكمن في “وحدة وطنية خالصة ومتحررة”. لا بديل عن إطلاق برنامج تعافي وطني شامل؛ فالتاريخ لا ينتظر أحداً، والفرص التي نغلقها بأيدينا اليوم، لن يفتحها لنا خصومنا غداً.



