الحرية حين تكون مشروعاً لا مجرد خطاب.. بقلم رامي الشقرة

استوقفني قول المفكر العربي جبران خليل جبران: “الحرية لا تُعطى لمن يستسلم، ولا تُمنح لمن لا يعرف قيمتها”، فهي ليست مجرد فكرة جميلة تُقال، بل اختبار حقيقي للإنسان والمجتمعات في لحظات التحول والمواجهة.
ومن موقع القراءة الاستراتيجية للتاريخ، يمكن القول إن الصراع حول الحرية لم يكن يوماً صراعاً على الكلمات، بل على المعاني. فهناك من تعامل مع الحرية باعتبارها مشروعاً يُمارس، يبدأ من رفض الخضوع، ويمر عبر بناء الإرادة والقدرة، وينتهي بالحفاظ على القرار المستقل مهما كانت التحديات. هذه السردية ترى أن الحرية ليست طريقاً سهلاً، بل مسؤولية تحتاج إلى وعي وصبر واستعداد لدفع ثمنها.
وفي المقابل، هناك من حوّل الحرية إلى خطاب سياسي، يستخدم مفرداتها دون أن يحمل جوهرها. فتُرفع عناوين السيادة والدولة والكيانية، بينما يبقى السؤال الأهم غائباً: أين تكمن القدرة الحقيقية على صناعة القرار؟ لأن السيادة التي لا تستند إلى إرادة مستقلة تصبح شكلاً بلا مضمون، والحرية التي لا تُترجم إلى فعل تتحول إلى شعار قابل للاستخدام في اتجاهات متعددة.
إن الفارق بين من يرى الحرية مشروعاً ومن يراها خطاباً يظهر عند لحظة الاختبار؛ فالمشروع يُقاس بالثبات على المبادئ وتحمل الكلفة، أما الخطاب فيُقاس بقدرته على التبرير وتجميل الواقع.
لهذا فإن الحرية ليست ما نقوله عنها، بل ما نفعله من أجلها. فالأمم لا تُبنى بكثرة الحديث عن التحرر، بل بقدرتها على حماية إرادتها، وصناعة مستقبلها، والحفاظ على المعنى الحقيقي للكرامة الإنسانية.
فالحرية في النهاية ليست حالة تُمنح، بل مسؤولية يحملها من يعرف قيمتها.
رئيس معهد فلسطين للدراسات الاستراتيجية


