منارةٌ مِنْ بناتِ ٱلشّمسِ تسْطعُ.!

بقلم: الأديب يوسف ناصر
(افتتاح جامعة المغطس الأرثوذكسيّة الدّوليّة برعاية جلالة الملك عبدٱلله الثّاني ملك المملكة الأردنيّة الهاشميّة، وبركة غبطة البطريرك ثيوفيلوس الثّالث بطريرك المدينة المقدّسة وسائر أعمال فلسطين والأردنّ)
… لا تعجبْ أيّها النّهر المقدّس الذي يشرب ماؤُه من ينابيع الذّكريات الخالدة، أن يتراءى لعينيك اليوم في مرآة مياهك طيف الرّوح القدس وقد عاد إليك بعد ألفي عام يحوّم على هيئة حمامة بيضاء احتفاءً بقيام هذه الجامعة الأرثوذكسيّة الدّوليّة عند ضفافك، لتكون منارة من بنات الشّمس تسطع في هذا الشّرق الحبيب، وبشرى السّلام والمحبة، وازدهار العلم والمعرفة، والصّعود إلى الله بالإيمان والأخوّة والتّسامح بين أبناء الدّيانات السّماويّة، لتبقى البلاد بلادَ القداسة السّرمديّة، ومشرقَ النّور الأزليّ، ومطلعَ الفجر الوضّاء إلى هذا العالم.!
.. ما أعظم مجدكِ أيّتها الجامعة! إذ خصّك الله بالقداسة دون أيّة جامعة من جامعات العالم!… فأيّة جامعة في هذا العالم قامت على ضفاف نهر مقدّس مثل نهرك الجاري بماء المعموديّة! وأيّة جامعة في الدّنيا وقفت مُشمخرّةً على تراب مقدّس كترابك الزّكيّ! وأين في الأرض جامعة تُطلّ من نوافذها لتتمثّل السّيّد المسيح في معموديّته قبل ألفي عام، وقد انفتحت السّماء ونزل الرّوح القدس في هيئة حمامة بيضاء واستقرّ عليه، وصوت من السّماء في الفضاء يشهد ويردّد: “هَذَا هُو ٱبْنِي ٱلْحَبِيبُ ٱلَّذِي بِهِ سًرِرْتُ” (متى 3: 17).. وحيث من هذا الموضع الفريد خرج السّيّد المسيح إلى البشريّة يقول في شخص تلاميذه “طًوبَى لِصَانِعِي ٱلسَّلَامِ لِأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ ٱللهِ يُدْعَوْنَ” (متى 9:5) و”هَذِهِ هِيَ وَصِيَّتِي أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ(يوحنّا12:15) و“ أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، بَارِكُوا لَاعِنِيكُمْ، أَحْسِنُوا إِلَى مًبْغِضِيكُمْ وَصَلُّوا لِأَجْلِ ٱلَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ” (متى 44:5) “
…. وكما تزدان السّماء بألَق الكواكب والشّهب اللّامعة في ظلمة اللّيل البهيم، هكذا تزدان الأرض بألق الجامعات والمعاهد العلميّة السّاطعة لتبدّد ظلمة العقول الحالكة، والنفوس الدّامسة بجهلها لدى أبناء البشر على الأرض! تلك هي العقول النّيّّرة بعلومها، والنّفوس المضيئة بأخلاقها، دأبها أن تنجب من أرحام شعوبها أعظم الحضارات مقرونةً بأنبل الأخلاق وأجلّها، لتكون قلائد تاريخ برّاق معلّقة على أعناق تلك الشّعوب وفوق صدورها. ولا عجب في أنّه من أجل تحقيق هذه الغاية الشّريفة قامت هذه الجامعة، مثلما قامت من قبلها أعظم الجامعات في العالم.
تحيّة إجلال وامتنان لجلالة الملك عبدٱلله الثّاني ملك المملكة الأردنيّة الهاشميّة الذي آزر قيام هذا الصّرح العلميّ المِشماخ لتخرج للناس من أبوابها مصابيح النّور في شخص خِرّيجيها إلى حيث يكونون في بلاد الله الواسعة. وكفى جلالة الملك عبدٱلله الثاني فخرًا على فخر أن تتولّى المملكة الأردنيّة الهاشميّة على ضفاف النّهر، وبقرار من جلالته، قيام الاحتفال العتيد بالألفيّة الثانية لميلاد السّيّد المسيح نور العالم، أوَ ليس هو القائل ” أَنَا هُوَ نُورُ ٱلْعَالَمِ مَنْ يَتْبَعْنِي فَلَا يَمْشِي فِي ٱلظُّلْمَةِ ” (يوحنا 12:8) . لقد فزتَ يا جلالة الملك بكأس السَّبق في هذه المأثرة العظيمة، وفعلت فعلًا عظيمًا عزّ نظيره، وهيهات أن تسكت ألسنة الأزمان عن ذكره يومًا! وحسْبُ الملوك مجدًا صميمًا أن يعمل واحدهم مرة واحدة عملًا فريدًا كهذا يبّذُّ به أقرانه، ويخلّد ذكره، ويضعه بين عظماء هذا العالم! تلك مأثرة جليلة تضاف إلى مآثر الملك المشهودة لدى أبناء الأردنّ عامّة ولدى إخوتهم المسيحيّين خاصّةً لحسن معاملته، وحرصه الشّديد على بقاء حضورهم في الأردنّ الحاضر في قلوبهم، والباقي في انتمائهم الأصيل لتراب الآباء والأجداد.
إن إنشاء هذه الجامعة في هذه الحقبة العصيبة من تاريخ البلاد والمنطقة ـ يُعدّ ــــــــــ ولا ريب ــــــــ خير إنجاز قامت به بطريركيّة الرّوم الأرثوذكس الأورشليميّة عبر تاريخها الطّويل ببركة صاحب الغبطة البطريرك ثيوفيلوس الثّالث بعد تشييده الكنائس العديدة، وترميم القديم منها في الدّيار المقدّسة والأردنّ. يضاف إلى حرص غبطته على تأمين الحضور المسيحيّ في الدّيار المقدّسة والأردنّ، مع ما يبذله من جهود من أجل إقامة علاقات السّلام بين شعوب المنطقة والعالم. وكأنّي بغبطته، تعبيرًا عن مسرّته بقيام هذه الجامعة، يصلّي جاثيًا على القبر المقدّس في رحاب كنيسة القيامة كي تبقى هذه الجامعة الغرّاء غرسةَ علمٍ يانعةً تسقيها يد الله وتتعهّدها بالحرث، وترعاها بالسّقي، وتصونها من كلّ فأس حتّى تغدو دوحة باسقة الغصون تمتدّ ظلالها إلى الأماكن البعيدة، ويقول: ” “يَا رَبُّ! يَا ربّ ٱطَّلِعْ مِنَ ٱلسَّمَاءِ وَٱنْظُرْ وَتَعَهَّدْ هَذِهِ ٱلْكَرْمَةَ وَأَصْلِحْهَا لِأَنَّ يَمِينَكَ غَرَسَتْهَا ” (مزمور 14:80)
وما أنسَ لا أنسَ ذلك “العبد الصالح الأمين الذي يدخل إلى فرح سيّده“(متى 23:25) سيادة المطران خريستوفوروس الموقّر، الوكيل البطريركيّ في عمّان، وفضله العميم في قيام هذه المنارة وهّاجةً فوق تراب الأردنّ، وما يبذله سيادته من خدمات جليلة على درب السّيّد المسيح، كارزًا بمواعظ أفعاله قبل أقواله من أجل توثيق أواصر المحبّة والأخوة بين أبناء الوطن الواحد من مسلمين ومسيحيّين، مع حرصه على استمرار ازدهار كنيسته، وثبات أبنائها بالإيمان فوق تراب الوطن الحبيب.
لا عجب! سوف تتوالى الأعوام، وتتعاقب الأجيال لتحمل معها بشائر تشهد لِما لهذه الجامعة الحديثة من قيمة جزيلة الفوائد قلّما تعادلها قيمة جامعة من جامعات الأرض بحكم موعد قيامها واختيار موقعها خاصّة، ولحاجة الأوطان الماسّة إلى ضرورة قيامها. إنها أوطان الشّعوب المضرّجة بالدّم، والمقتولة بسمّ العنصريّة، والسّلام المقطوع الرّأس على الطّرقات، والآمال المحمولة على النّعوش فوق ظهور أصحابها إلى بلاد الهجرة والاغتراب وراء البحار… حتّى بزغ نور الجامعة ماتعًا في الأفق لتحقيق أهدافها الفريدة الّتي تأسّست من أجلها كتنوّع العلوم، والاختصاصات، ودراسة اللّغات، ومساق قراءة الكتب النّفيسة، وبين أهمّ تلك الأهداف اعتكاف الطّلاب في خلوات روحيّة لاستيحاء ما يبعثه المكان المقدّس في جَوْز الصحراء من استجمام روحيّ، وطلب السّماويّات دون الأرضيّات ، والباقيات دون الزائلات في تجلّيات وإحساسات تشدّهم إلى الله في أعلى أبراج الإيمان والنًّسك، وتشدّد فيهم الأمّل اليانع الذي لا يذبل… والمحبّة الخضراء الّتي لا تجفّ… والسّلام النّاضر الذي لا يذوي رونقه بين الناس… جيلًا جديدًا يحمل التّرياق الشّافي كي يتدارك هذه الأوطان قبل أن يفنيها طاعون الأطماع والحروب الدّامية.
تباركتِ أيّتها الجامعة، وثبّت الله أعمدتك، ووطّد دعائمك لتبقَي شهادة حقٍّ على نبل الذين شيّدوك، ولتؤكّدي للدنيا أنّ جعجعة الأقوال قبضة ريح تذهب في الزوال، أمّا الأعمال العظيمة فتبقى في هذا العالم سليلة المعجزات، وقلاع النور عبّاقةً بأسماء أصحابها لا تتهدّم يومًا، مهما عصفت بها عوادي الزّمن، ومهما ألمّت بها الزعازع والنّوَب!
كفرسميع ــــ الجليل في 4\6\26
- كاتب المقال شاعر وأديب. وكيل وباني كنيسة القديسين قسطنطين وهيلانة الجديدة في قرية كفرسميع من الجليل الأعلى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



