لا تذبحوا التاريخ من أجل الجغرافيا… بقلم د. عبدالرحيم جاموس

في مسيرة الشعوب وحركات التحرر الوطني، قد تنشأ مؤسسات وسلطات وإدارات بحكم الضرورة السياسية أو متطلبات المرحلة، لكن الخطر يبدأ عندما تتحول الوسيلة إلى غاية، وعندما يطغى المؤقت على الدائم، والجغرافيا على التاريخ، والسلطة على الحركة الوطنية.
هذه هي المعضلة التي تواجهها حركة فتح اليوم، وهي الحركة التي لم تولد من رحم السلطة، بل ولدت من رحم القضية الفلسطينية ذاتها، ومن معاناة شعب شُرّد في المنافي، وتوزع بين الوطن والشتات، وحمل فلسطين في ذاكرته ووجدانه قبل أن تكون له سلطة أو كيان أو حدود.
لقد كانت فتح، منذ انطلاقتها، التعبير الأوسع عن وحدة الشعب الفلسطيني، وجسراً بين الداخل والخارج، وبين المخيم والمدينة، وبين اللاجئ والمقيم، وبين البندقية والدبلوماسية، وبين الحلم الوطني والواقع السياسي. ولم تستمد مشروعيتها من سلطة أو موقع، بل من قدرتها على تجسيد وحدة الشعب ووحدة القضية ووحدة المصير.
غير أن السنوات الماضية شهدت تراجعاً تدريجياً في هذا الدور الجامع، بفعل تغوّل منطق السلطة على منطق الحركة، وتقدم الاعتبارات الإدارية والتنظيمية على الاعتبارات الوطنية والاستراتيجية. ومع الوقت، باتت الجغرافيا السياسية للسلطة تفرض إيقاعها على الحركة، بينما تراجع حضور الشتات ومكانته ودوره في صناعة القرار الوطني وفي البنية التنظيمية والسياسية.
إن اختزال فتح في جغرافيا محددة لا يظلم الشتات وحده، بل يظلم الحركة نفسها. فالشعب الفلسطيني لم يكن يوماً محصوراً في مكان واحد، وقضيته لم تكن قضية سكان إقليم، بل قضية شعب موزع على أكثر من قارة، تجمعه هوية وطنية واحدة ورواية تاريخية واحدة وحقوق وطنية واحدة.
ولهذا فإن إعادة الاعتبار للعلاقة بين الداخل والخارج ليست قضية تنظيمية فحسب، بل قضية سياسية ووطنية واستراتيجية من الدرجة الأولى. فالحركة التي تفقد امتدادها الشعبي في الشتات تفقد أحد أهم مصادر قوتها التاريخية، كما أن المشروع الوطني الذي لا يشارك فيه جميع الفلسطينيين يصبح مشروعاً ناقصاً وعاجزاً عن تمثيل الكل الفلسطيني.
إن المطلوب اليوم ليس العودة إلى الوراء، ولا الدخول في صراع بين الحركة والسلطة، فلكل منهما دوره ووظيفته. المطلوب هو إعادة التوازن بينهما، بحيث تبقى السلطة أداةً من أدوات العمل الوطني، لا أن تتحول إلى مرجعية عليا تعيد تعريف الحركة أو تحدد حدودها وأولوياتها.
المطلوب إعادة فتح إلى معناها الأول: حركة تحرر وطني لشعب كامل، لا إطاراً سياسياً لجغرافيا محددة. وإعادة الاعتبار للشتات بوصفه شريكاً كاملاً في القرار والتمثيل والبناء الوطني، لا مجرد امتداد رمزي أو احتياطي سياسي يُستدعى عند الحاجة.
لقد كانت قوة فتح دائماً في قدرتها على استيعاب الجميع تحت سقف وطني واحد، وفي كونها بيتاً مفتوحاً لمختلف التيارات والكفاءات والأجيال ومواقع الوجود الفلسطيني. وكلما ضاق هذا البيت، ضعفت الحركة. وكلما اتسع، استعادت قدرتها على التجدد والقيادة والمبادرة.
إن المستقبل الفلسطيني يحتاج إلى فتح التي تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تقصي، وتنفتح على شعبها كله حيثما وجد. فتح التي تدرك أن فلسطين ليست جغرافيا فقط، بل تاريخ وهوية وذاكرة وحقوق وشعب منتشر في أنحاء العالم.
لذلك، فإن الرسالة التي ينبغي أن تُسمع اليوم بوضوح هي:
أعيدوا المعنى للحركة بين الداخل والخارج.
أعيدوا الاعتبار للشراكة الوطنية الشاملة.
واخرجوا من صندوق السلطة إلى رحابة فتح.
فالحركات العظيمة لا تعيش داخل الجغرافيا وحدها، بل تعيش في التاريخ. ومن يفقد تاريخه، يفقد مستقبله أيضاً.
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض
25/6/2026 م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com