سدنة الحق العمالي المناضل راسم البياري “أبو محمود” وقصة الكفاح النقابي المجيد.. بقلم: د. سلامه أبو زعيتر

ليس من العدل والإنصاف أبداً أن تكتب عن صديقٍ وقائدٍ عايشته في أقسى الظروف، ورأيتَ بأمّ عينك قدراته الفذة على القيادة والاتصال الناجح، ولملمة الكادر حول العمل في أحلك الأوقات، ثم تحاول اختزال مسيرته في كلمات وسطور تفي حقّه.
كم ترتجف الأصابع وهي تخطُّ الكلمات على لوحة المفاتيح؛ تقف العبارات عاجزة والمعلومات مقتضبة أمام حجم عطاء وإخلاص بمستوى وطن. ففي حضرة الأوفياء والمخلصين، تتزاحم المشاعر وتتجمد الحروف أمام قامة نكنّ لها أسمى آيات الاحترام والتقدير. قامة نعتز ونشرف بالعمل معها لما تحمله من مشاعر أخوية وأبوية صادقة للجميع؛ فلم يكسر يوماً خاطراً لأحد، بل كان سنداً للكل، موازناً بحكمة بالغة بين الدفاع المستميت عن المؤسسة ومصالحها، ورؤيته الثاقبة للنهوض بها بما يخدم الطبقة العاملة، وهو ما أثبتته الأيام كلما تقدمنا في التجربة والعمل.
إنني اليوم، وأنا أكتب بمداد الوفاء عن قائدٍ نقابي عايشته وما زلت لأكثر من 32 عاماً، أجد نفسي أمام الأخ راسم البياري “أبو محمود”، رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين في محافظات غزة ونائب الأمين العام السابق. هذا الرجل لم يكن مجرد مسؤول يترأس منصباً أو يشغل مقعداً، بل كان ولا يزال مدرسة نقابية متكاملة الأركان تعلمنا منها الكثير، وقائداً ميدانياً فذاً خاض معارك شرسة انتصاراً للحقوق الاجتماعية والكرامة الإنسانية لأبناء الطبقة العاملة الفلسطينية.
هندسة التأسيس وشريك البناء وصانع الوحدة النقابية:
انطلق الأخ “أبو محمود” في مسيرته من عمق الشقاء العمالي ومعاناته، حيث صقل مهاراته العملية في مهنة الخراطة والميكانيكا، فعرف عن قرب هموم الشغيلة، وتحديات المهنة، وآلام الكادحين. ومن هذا المنطلق الصلب، لم يكتفِ بالعمل في إطار نقابي جامد، بل كان شريكاً أساسياً ومبادراً في إنشاء وتأسيس العديد من النقابات العمالية والمهنية في فلسطين وتطوير هياكلها؛ بدءاً من قيادته لنقابة الصناعات المعدنية، وصولاً إلى توسيع مظلة العمل النقابي لتشمل شتى القطاعات الحيوية.
ولعل المحطة الأبرز والتاريخية في مسيرته التأسيسية، هي صياغته لـ “اتفاق الاندماج النهائي” برفقة ثلة من رفاق دربه الأوفياء. هذا الاتفاق التاريخي هو الذي وحّد الحركة النقابية الفلسطينية تحت راية “الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين”، منهياً حالة التشرذم والانقسام، ليصنع جداراً وطنياً ونقابياً صلباً قادراً على مجابهة التحديات وحماية مصالح العمال من التغول والضياع.
قيادة المعارك المطلبية ونصرة العمال:
إذا ذُكرت المحافل الميدانية وساحات النضال المطلبي، تجد “أبا محمود” دائماً في مقدمة الصفوف؛ حيث قاد مع زملائه في النقابات والاتحاد معارك نقابية وقانونية ضارية لانتزاع حقوق العمال وحمايتهم. تميزت إدارته بالصلابة والمرونة في آنٍ واحد، فكان مدافعاً عنيداً لا يساوم على لقمة عيش العامل أو كرامته. وأبرز ملامح هذا الكفاح تتجلى في محطتين رئيسيتين:
· الدفاع عن حقوق العمال داخل الخط الأخضر: قاد معارك قانونية وإعلامية مريرة لتحصيل مستحقات ومدخرات العمال الفلسطينيين، ورفع صوته عالياً في المحافل الدولية (مثل الاتحاد الدولي للنقابات الحرة) لتعرية وفضح سياسات الحصار، والإغلاقات، والاضطهاد الذي يمارسه الاحتلال بحقهم.
· التكافل في زمن الأزمات: لم يترك العمال يواجهون مصيرهم وحدهم عند إغلاق المعابر؛ بل حوّل مقر الاتحاد إلى خلية نحل إنسانية، مبتكراً حلولاً تمويلية وتكافلية لتقديم رواتب ومساعدات دورية منتظمة للعمال الممنوعين من العمل، مقدماً نموذجاً إدارياً وإنسانيّاً تعجز عنه كبرى المؤسسات.
راعي الشباب والمبادرات وحاضن الكفاءات:
آمن الأخ “أبو محمود” عميقاً بأن استدامة العمل النقابي وقوته تكمن في تجديد دمائه وضخ الطاقات الشابة فيه، فكان الداعم الأول والمتواصل للشباب والكفاءات الواعدة لاستكمال دراستهم وبحوثهم العلمية، وفي عهده ورعايته أتم الكثيرون دراسة البكالوريوس والماجستير والدكتوراه.
فمنذ أن كلفه الشهيد القائد الرمز “أبو عمار” بأمانة سر الشبيبة العمالية عام 1979م، فتح الأبواب على مصراعيها للطاقات الشابة والمبادرات البناءة، متبنياً الأفكار التطويرية التي تسهم في رفع وعي العامل وتأهيله. ويتجلى هذا الفكر التقدمي والريادي في ثلاثة إنجازات تاريخية شهدت على عبقريته الإدارية:
· بناء المقر النموذجي للاتحاد: لم يرده مجرد مبنى إداري من حجر، بل أراده صرحاً تكنولوجياً متطوراً مزوداً بأحدث الأجهزة والمختبرات، ليكون حاضنة ومدرسة حقيقية لتدريب وتأهيل الكفاءات العمالية الشابة ومواكبة العصر.
· تأسيس “إذاعة العمال“: كانت فكرة ريادية ومبادرة سبّاقة تبناها ووفر لها كل الدعم، لتكون المنبر الإعلامي الأول في فلسطين الذي يحمل صوت الشغيلة والشباب، ويبث الوعي النقابي والثقافي في كل بيت، قبل أن تمتد إليها يد العبث والسرقة إبان أحداث الانقسام المؤسفة.
· معهد الثقافة العمالية: التحضير لتأسيس المعهد واعتماد منهج علمي بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم العالي، وضمن معايير جودة التخصصات بالشراكة مع جامعة الأقصى.
الاختلاف من أجل التطوير والعمل كخلية نحل:
واليوم، وأنا أنبش في دهاليز العمل النقابي وأكتب في ثناياه آملاً تقديم رؤية جادة للنهوض به، أشعر بأهمية تناول مدرسة الأخ “أبو محمود” مع زملائه ورفاق دربه في العمل النقابي -والذين سنذكرهم تباعاً إن شاء الله للاقتداء بهم-.
إن الميزة الكبرى لهذه المسيرة الطويلة تلخصت في أن أي اختلاف في وجهات النظر لم يصل يوماً إلى حد الخلاف الشخصي أو القطيعة، بل كان يجمعهم دائماً قاسم وطني مشترك هدفه الأساسي خدمة الحركة النقابية وتطوير أدواتها. وحتى في الحالات النادرة التي كانت تصل فيها الأمور إلى حد الخصومة، فإنها سرعان ما كانت تنتهي في أقرب فرصة بتدخل أهل الخير والحل السريع، ليثبت الجميع أن غايتهم هي البناء لا الهدم.
ولم نعهد عليه يوماً أنه كسر أحداً، وإن كان يلجأ للعقاب الإداري أحياناً لضبط العمل؛ بل إنه لو تسبب في زعل أو ضيق لأيٍ من إخوته وزملائه، كان يسرع إلى تصويب الأمر، فيبادر بنفسه للصلح أو يدفع بأحد الزملاء للتدخل وإتمام المصالحة، حيث كان دائماً سريع الاستجابة للحق، مدفوعاً بطيب أخلاقه ونقاء قلبه الكبير. هكذا كان العمل مع “أبو محمود” كخلية نحل حقيقية، ترتقي بالأداء النقابي يوماً بعد يوم، وتُخرّج أجيالاً من الأساتذة والمنظرين الذين سخروا علمهم وخبراتهم لصالح قضايا العمال ونقاباتهم بقطاعاتها المتنوعة.
الوفاء لقائد لم تغيره الميادين بالإرث الإنساني والمهني:
تميز النقابي المخضرم الحاج راسم البياري بمهارات استثنائية في الاتصال الناجح وفن الإدارة، وكان قريباً من القلوب، يمازج جديّة العمل بالدعابة والابتسامة لإبهاج زملائه والتخفيف عنهم. وكانت “عزائمه وولائمه” المستمرة حتى اللحظة -رغم كل الظروف- جزءاً من كرمه الأصيل، حيث كان يصر على تقديم الطعام بيده لإخوانه ومحبيه تعبيراً عن المحبة الصادقة والأخوة العميقة، مردداً بلهجته العفوية الدافئة: “من يدي لبلوبة.. حطها بتمك“.
إن قدرته العالية على “لملمة الكادر” وصناعة الإجماع جعلت منه رقماً صعباً وعلامة فارقة. ورغم كل المناصب، ظل وفياً لعماله، حريصاً على أموالهم لدرجة إعداد الطعام بنفسه للوفود الأجنبية توفيراً للمال العام، ليعطي درساً عملياً في عفة اليد، والنزاهة، والمسؤولية القيادية الأخلاقية.
أقل ما يمكن أن يقال في “أبو محمود” إنه رجلٌ يتقي الله في عمله، ويُؤتَمَن حين يُسأل، وأمين على مصالح إخوته، وينصح بكل صدق ومصداقية. كم خاض من معارك حامية الوطيس دفاعاً عن زملائه الكوادر، وكم دفع في سبيل ذلك أثماناً باهظة في زمن عزّ فيه الوفاء!
تتنوع الكلمات وتتعدد الأوصاف لقائد تميز بالذكاء وإنكار الذات والعطاء غير المحدود؛ فقد كانت قدرته على البذل تتجاوز أحياناً 20 ساعة من العمل المتواصل دون كلل أو استراحة، وكم سهرنا معاً لإنجاز أعمال تخدم العمال وتعينهم في أوقات الشدة.
هكذا عرفناه، قريباً من نبض الناس؛ يزور زملائه مهنئاً ومعايداً في الأعياد والمناسبات بشخصه، ويتبرع من ماله الخاص لزواج الشباب أو ستر الأسر العفيفة، ويساهم في دعم المحتاجين، ويقدم المعونات باسمه أو باسم المؤسسة وفق الأصول والأنظمة المعتمدة. هكذا كان “الحاج أبو محمود” دائماً، قريباً من الصغير والكبير، يداوي جراح هذا ويسند ظهر ذاك.
وما زلنا نستند إليه حتى اللحظة، فهو حاضر في القلب وفي كل جلسة تُذكر فيها الحركة النقابية، كأخ كبير لطالما قال لنا: “عندما تضيق بكم السبل أو تغضبوا تعالوا إليّ، إن أردتم العتب فأنا أتحملكم، وإن أردتم الحديث سأستمع إليكم وأسندكم وأنصحكم“.
رسالة فخر وتكريم..
أخيراً، إن الأخ “أبو محمود” الذي دفع أثماناً باهظة في مسيرته المشرّفة، يقف اليوم مسنوداً بمحبة آلاف العمال ودعوات الكوادر التي لم تره يوماً إلا جداراً عتيداً وحصناً منيعاً. ونحن اليوم معه، كتفاً بكتف كما كان دوماً معنا في الميدان؛ ندعمه بقلوبنا وولائنا، مؤمنين بأن تضحياته وعطاءه اليومي المستمر لم يكن مجرد أداء لمهام عادية، بل كان عمراً يُبذل من أجل رفعة الحركات النقابية والوطن، وسيظل التاريخ يذكره بكل معاني الإخلاص..
لكل قارئ يمر على هذه السطور، اذكروا هذا المناضل الفذ بكل الخير الذي زرعه ويذرعه في بيوت المحتاجين والعمال، وسلوا المولى عز وجل أن يمدّ في عمر “الحاج راسم البياري”، وأن يمتّعه بموفور الصحة التامة والعافية الوافرة، وأن يبقيه ذخراً وعزاً في عرينه وميادين عطائه، ليظل كما كان دوماً؛ السنديانة النقابية الشامخة، والحصن الحصين لكل عامل ومبدع على تراب هذا الوطن الحبيب.



