بين إنهاك الحرب وتطلعات التغيير: قراءة في حراك 26 يونيو.. بقلم د. سالم سعد

لا يمكن اختزال مواقف المجتمعات التي تعيش ظروفاً استثنائية في نجاح أو فشل حراك ميداني بعينه. ومن هذا المنطلق، لا يعد إجهاض حراك 26 يونيو في غزة استفتاءً على قبول السكان بالواقع القائم، أو دليلاً على الرضا عن السياسات السائدة؛ فالمجتمع المثقل بتبعات الحرب، والحصار، والنزوح، وانعدام الأمن الغذائي، يفتقر إلى القدرة على التعبير عن موقفه بالوسائل التقليدية.
لقد فرضت الحرب الاسرائلية واقعاً إنسانياً قاهراً حصر أولويات المواطن في تأمين الغذاء والمأوى والأمان. وفي ظل هذا “الإنهاك الجماعي”، تتراجع القدرة على الانخراط في أي تحرك شعبي ليس غياباً للرغبة في التغيير، بل لأن متطلبات البقاء باتت تتقدم على ما سواها. لذا، فإن ضعف المشاركة ليس إلا انعكاساً لواقع أمني وعسكري معقد يفرضه الاحتلال، والذي عمّق الأزمة الإنسانية وأضعف قدرة المجتمع على تنظيم نفسه.
وفي موازاة ذلك، تثير خيارات حماس السياسية والعسكرية نقاشاً واسعاً، حيث يرى كثيرون أن الجبهة الداخلية تحتاج إلى اهتمام كبير ومساحة واسعة للاستماع لهموم المواطنين ووضع حلول عملية عاجلة. هذا الشعور بالعزلة يتفاقم في ظل غياب موقف دولي فاعل لوقف حرب الإبادة، ما رسخ قناعة لدى الغزيين بأنهم يواجهون مصيرهم وحدهم في ظل خيارات محدودة بل معدومة.
إن قراءة أي حراك من زاوية النجاح أو الفشل تمثل تبسيطاً لواقع مركب؛ فالصمت لا يعني الرضا، والخوف لا يعني غياب الرأي، والانشغال بالبقاء لا يلغي الطموح للتغيير. المجتمعات تحت وطأة الحروب والحكم الجبري تمر بمراحل إرهاق قد تؤجل تعبيرها عن مواقفها، لكنها لا تلغيها.
وعليه، فإن المطلوب ليس البحث عن منتصر أو مهزوم، بل إجراء مراجعات سياسية جادة تنطلق من أولوية حماية الإنسان الفلسطيني. إن مستقبل غزة لا يمكن أن يُبنى على تفسير الصمت كقبول، أو تجاهل الرغبة الشعبية في الإصلاح. فالمواطن بحاجة إلى أفق سياسي وشراكة وطنية حقيقية تعيد الاعتبار للجبهة الداخلية من منطلق الإيمان برفض التفرد والحزبية الضيقة. ولعل إجهاض حراك 26 يونيو كان مؤشراً على حجم التعقيد، لكنه لا يعد تفويضاً باستمرار الواقع، ولا يمنع من ولادة مبادرات مستقبلية، قد تعرف بحراك 30 يوليو على سبيل المثال، الذي قد يعبر بشكل أو بآخر عن تراكمات الغضب والبحث عن مخرج للأزمة.



