من عصبة الأمم إلى الأونروا: الشعارات لا تصنع مستقبل المؤسسات.. نضال احمد جابر جودة

يتحرك التاريخ وفق منطق واضح لا يعرف الجمود؛ فالمؤسسات الدولية لا تنشأ بمعزل عن سياقاتها السياسية، ولا تستمر بقوة الخطاب أو الشعارات، وإنما تُولد استجابة لتحولات كبرى، وتبقى ما بقيت الظروف التي أفرزتها، ثم تُعاد صياغتها أو يُستبدل بها غيرها عندما تتغير تلك الظروف. ومن هنا فإن فهم مستقبل أي مؤسسة لا يبدأ من داخلها، بل من قراءة البيئة السياسية التي صنعتها، والاتجاهات التي قد تعيد تشكيلها أو تجاوزها.
ولعل عصبة الأمم هي أول نموذج واضح لهذا القانون التاريخي؛ إذ أُنشئت عقب الحرب العالمية الأولى بوصفها أول محاولة دولية منظمة لمنع الحروب وضبط العلاقات بين الدول. غير أن هذا المشروع لم ينجح في تحقيق هدفه المركزي، إذ عجز عن منع اندلاع الحرب العالمية الثانية، ما أدى إلى انهيار فعاليته السياسية وانتهاء دوره التاريخي.
ومع نهاية الحرب، لم يتجه المجتمع الدولي إلى إعادة إحياء العصبة أو إصلاحها، بل إلى تأسيس منظومة دولية جديدة أطلق عليها اسم الأمم المتحدة عام 1945، والتي صُممت وفق رؤية مختلفة لإدارة النظام الدولي. وفي قلب هذه المنظومة أُنشئ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بوصفه الأداة التنفيذية المسؤولة عن حفظ السلم والأمن الدوليين. ثم جاءت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) عام 1949 باعتبارها استجابة مباشرة لنتائج النكبة الفلسطينية، وبخاصة قضية اللاجئين.
وهكذا يتضح أن كل مؤسسة دولية كبرى كانت نتيجة لتحول سياسي محدد، وليست سببًا مستقلًا عنه، وإنما جاءت لمعالجة نتائج تلك التحولات لا لصناعتها.
وانطلاقًا من هذا الفهم، فإن أي قراءة لمستقبل الأونروا بعد السابع من أكتوبر 2023 لا يمكن أن تُفصل عن السياق الأوسع للتحولات السياسية والأمنية التي أعادت تشكيل البيئة الإقليمية والدولية. فظهور أطروحات ومشاريع جديدة يجري تداولها سياسيًا وإعلاميًا، ومنها ما يُشار إليه بمقترحات مثل “مجلس السلام” المنسوبة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لا يمكن النظر إليها بوصفها أحداثًا معزولة، بل باعتبارها نتاجًا مباشرًا لتحولات أعمق سبقته. فالنتائج لا تُصنع في لحظتها، وإنما تتشكل داخل مسار طويل من الأسباب والتغيرات.
غير أن الإشكال لا يكمن في وجود هذه التحولات، بل في كيفية التعامل معها. وهنا يظهر دور الخطاب النقابي ممثلًا في اتحاد الموظفين العرب، الذي غالبًا ما واجه هذه المتغيرات بمنطق رد الفعل؛ إذ انشغل برفع الشعارات، وإصدار بيانات الرفض، وتنظيم الوقفات الاحتجاجية، بوصفها أدوات رئيسية للتعامل مع الأزمات، دون أن يوازي ذلك إنتاج رؤية استراتيجية أو خطط بديلة تستوعب حجم التحول الجاري.
لقد قدم الاتحاد نفسه عبر سنوات طويلة باعتباره طرفًا فاعلًا في المشهد الإداري داخل الأونروا، مستندًا إلى اللقاءات مع إدارة الوكالة، وإلى ما يعلنه من تفاهمات يصفها بالإنجازات. كما اعتاد الدعوة إلى الإضراب أو تعليق العمل عند صدور قرارات إدارية لا تتوافق مع رؤيته، بما يعكس اعتمادًا كبيرًا على أدوات الضغط التقليدية في إدارة الخلافات.
إلا أن التجربة العملية تكشف حدود هذا النهج. فقد سبق أن اتخذت إدارة الأونروا قرارًا إداريًا بفصل أحد أعضاء الاتحاد، فدعا الاتحاد إلى الإضراب وتعليق العمل للضغط من أجل التراجع عن القرار، غير أن القرار نُفذ كما هو، بينما تحمل الموظفون الذين التزموا بالإضراب تبعات مالية وإدارية مباشرة، ليكون الموظف هو الخاسر الحقيقي في معادلة لم تتغير نتائجها.
وتزداد هذه الإشكالية وضوحًا عند النظر إلى الفترة التي تلت السابع من أكتوبر 2023، والتي امتدت لنحو عامين ونصف من التحولات المتسارعة. فقد كان المتوقع أن يبادر الاتحاد إلى تطوير أدواته من مجرد رد الفعل إلى بناء رؤية عملية، تتضمن خطة طوارئ لضمان استمرار العملية التعليمية في مدارس الأونروا، والحفاظ على ارتباط الطلبة بمؤسستهم التعليمية، والحد من انتقالهم إلى برامج تعليمية طارئة تديرها أو تدعمها جهات أممية ودولية مختلفة، من بينها مؤسسة منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، التي توسع دورها في برامج التعليم في حالات الطوارئ، إلى جانب أدوار متنامية لمنظمات إنسانية وصحية أخرى مثل منظمة الصحة العالمية وأطباء بلا حدود وغيرها من المؤسسات التي تدخلت لملء الفراغات الناتجة عن الأزمة.
وفي غياب رؤية نقابية استراتيجية، تصبح هذه التحولات جزءًا من إعادة تشكيل الواقع التعليمي والاجتماعي على حساب المؤسسات الأصلية.
إن جوهر الإشكال هنا لا يتعلق بوجود احتجاج أو رفض، بل بغياب الانتقال من منطق الاعتراض إلى منطق التخطيط. فالإدارة الحديثة لا تُقاس بقدرتها على التعبئة، بل بقدرتها على استشراف المخاطر وصناعة البدائل. والنقابة، بوصفها جزءًا من المنظومة المؤسسية، يفترض أن تمتلك أدوات تفكير استراتيجي توازي دورها التمثيلي، لا أن تظل محصورة في رد الفعل.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن الخطاب الاحتجاجي المستمر دون إنتاج حلول عملية يؤدي إلى نتائج عكسية، حيث يجد الموظف نفسه في موقع المتلقي لتبعات القرارات دون وجود مظلة استراتيجية تحميه. فالمؤسسة التي لا تقدم خططًا، تترك فراغًا تملؤه أطراف أخرى، سواء في التعليم أو في الصحة أو في إدارة الخدمات الأساسية.
وهنا تتضح المفارقة الأساسية: فبينما تتغير المؤسسات بفعل التحولات التاريخية الكبرى، لا تزال بعض الخطابات تتعامل مع هذه التحولات وكأنها أحداث منفصلة يمكن مواجهتها بالشعار وحده. غير أن التاريخ، منذ عصبة الأمم وحتى اليوم، يثبت أن الشعارات لا تصنع مؤسسات، ولا تحافظ على استمرارها، وإنما الذي يصنع الفارق هو القدرة على قراءة الأسباب التي تنتج التحولات قبل أن تتحول إلى نتائج نهائية.
وفي المحصلة، لا يكون الخاسر الحقيقي في مثل هذه السياقات هو المؤسسة أو الاتحاد، بل الموظف والطالب واللاجئ، أي الفئات التي يُفترض أن تكون في قلب أي عملية حماية أو تمثيل. وعندما يغيب التخطيط وتتحول الاستجابة إلى شعارات، يصبح الفرد هو الحلقة الأضعف في معادلة تتشكل خارج إرادته، بينما يبقى التاريخ مستمرًا في إعادة إنتاج مؤسساته دون انتظار أحد. ولهذا فإن الحلول الحقيقية لا تبدأ من الإفصاح عن النتائج، بل من معالجة الأسباب التي أنتجتها منذ البداية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com