اختراق الصمت.. بقلم د. عبدالرحيم جاموس

مع شقشقة الفجر…
تخترق العصافير صمته،
وتوقظ في الأفق وعدًا بيومٍ جديد.
أما أنت…
فتقف أمام صمتٍ لا تفتحه المفاتيح،
ولا تهزه الضوضاء،
كأن الكلمات تعود إليك
قبل أن تبلغ آذان الآخرين.
لا تحزن…
فليس كل صمتٍ فراغًا،
فبعضه امتلاءٌ بالحكمة،
وبعضه انتظارٌ للحظة المناسبة،
وبعضه صلاةٌ لا يسمعها إلا الله.
لكن إيّاك…
أن يصبح الصمت موطنك،
فتعتاد الظلام،
وتنسى أن للكلمة رسالة،
وللحق صوتًا،
وللفجر موعدًا لا يتخلف.
تعلم من العصافير…
إنها لا تملك جيوشًا،
ولا منابر،
ولا سلطة…
ومع ذلك،
تعلن كل صباح انتصار الحياة على الليل.
فإذا لم تستطع أن تخترق صمت العالم،
فلا تسمح للعالم أن يخترق يقينك.
قل كلمتك،
وامضِ مطمئنًا…
فإن لم تُزهر اليوم،
ستبقى بذرةً في أرضٍ طيبة،
وسيأتي يومٌ
يفتح فيه الربيع أبوابه،
فتنبت الكلمات أشجارًا،
ويستظل بها من لم يسمعها يومًا.
فالحق لا يقاس بعدد من يصفقون له،
بل بقدرته على البقاء…
حتى يأتي أوانه…
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض
5/7/2026 م

طاب صباحكم 🌺
قراءة أدبية في نص “اختراق الصمت”


بقلم:د. عادل جوده. من العراق

في زمنٍ صار الصمت فيه خيارًا مفروضًا تارة، ومختارًا تارة أخرى، يأتي هذا النص الشعري ليشتغل على ثنائية الصمت والكلمة اشتغالًا واعيًا، متكئًا على بنية رمزية محكمة، ولغة شفيفة تنهض على إيقاع التأمل والمناجاة.

يفتتح النص بمشهدية طبيعية آسرة: العصافير وهي تشقشق مع الفجر، تخترق صمت الليل، وتعلن وعدًا بالحياة. هذا الاستهلال ليس تزيينًا بلاغيًا فحسب، بل هو تأسيس لرؤية فلسفية كاملة؛ فالعصافير هنا ليست مجرد كائنات، بل رمز للصوت الحر، للكلمة التي لا تملك سلطة ولا جيوشًا، لكنها تملك الإصرار على إعلان انتصار الحياة. في مقابل هذا المشهد الحي، يقف المخاطَب أمام صمت من نوع آخر: صمت ثقيل، صمت لا تشققه المفاتيح، صمت يعيد الكلمات إلى صاحبها قبل أن تبلغ الآذان. إنه صمت القهر، صمت العجز، صمت الخوف من المواجهة.

وهنا تكمن براعة النص في انتقالته النفسية؛ إذ يتحول الصوت الشعري من الرصد إلى المواساة، من وصف الحال إلى بث الطمأنينة. “لا تحزن… فليس كل صمت فراغًا” – بهذا التسكين اللطيف يعيد الشاعر تعريف الصمت، فيخلع عنه ثوب العجز، ويمنحه أبعادًا روحية ومعرفية: الصمت امتلاء بالحكمة، الصمت انتظار للحظة المناسبة، الصمت صلاة لا يسمعها إلا الله. هذا التحويل الدلالي يمنح النص عمقًا صوفيًا، ويحرر الذات من سلطة الصوت الجمعي، ليجعل من الصمت فعلًا إيجابيًا حين يكون خيارًا واعيًا.

لكن النص لا يقف عند حدود المواساة، بل ينعطف إلى التحذير والتحريض اللطيف: “لكن إياك… أن يصبح الصمت موطنك، فتعتاد الظلام”. هنا تكمن الذروة الفكرية؛ فالصمت قد يتحول من ملاذ إلى سجن، ومن حكمة إلى استسلام. وفي هذا التحذير استدعاء لرسالة الكلمة، وللحق الذي لا بد أن يجد صوته، وللفجر الذي لا يتخلف عن موعده. إنها دعوة إلى التوازن بين صمت الحكمة وصوت الشهادة، بين التأمل والفعل، بين الانتظار والإعلان.

ثم يعود النص إلى رمز العصافير في صيغة تعليمية: “تعلم من العصافير…”، محولًا إياها إلى مدرسة في الإرادة. العصافير لا تملك جيوشًا ولا منابر ولا سلطة، ومع ذلك تعلن كل صباح انتصار الحياة على الليل. إنه انتصار الرمز على المادي، انتصار الصوت الخفيض على الضجيج، انتصار المبدأ على القوة. وفي هذا تلميح إلى أن الكلمة لا تحتاج إلى أذن السلطة لتكون مؤثرة، بل إلى صدقها وإلحاحها وإيمان صاحبها.

ثم تأتي الوصية الأخيرة: “إذا لم تستطع أن تخترق صمت العالم، فلا تسمح للعالم أن يخترق يقينك”. هنا يرتفع النص إلى مقام الحكمة الصافية؛ فالأمر ليس مرهونًا بالنتائج الفورية، بل باليقين الداخلي الذي لا تهزه الرياح. الكلمة قد لا تزهر اليوم، لكنها ستبقى بذرة في أرض طيبة، وسيأتي يوم يفتح فيه الربيع أبوابه. إنه منطق زراعي روحي، يجعل من فعل القول زرعًا ومن التاريخ فصولًا، ومن الكلمات أشجارًا يستظل بها من لم يسمعها يومًا.

ويُختتم النص بجملة مكثفة تحمل خلاصة التجربة: “فالحق لا يقاس بعدد من يصفقون له، بل بقدرته على البقاء… حتى يأتي أوانه”. هذا الختام يمنح النص بعدًا تاريخيًا ووجوديًا؛ فالحق ليس رهين اللحظة، وليس أسير الاستحسان الجمعي، بل هو قوة صامدة تنتظر أوانها، تشبه النهر الذي قد يغيب تحت الأرض لكنه لا يتوقف عن الجريان.

إنه نص يكتب بلغة الشعر، ويفكر بمنطق الحكمة، ويؤمن بمنطق الروح. نص يخترق صمت القارئ، ويزرع فيه يقينًا بأن للكلمة شأنًا آخر، لا يشبه شأن الضوضاء.
تحياتي واحترامي 🌹

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com