القلم النحاسي… حين تلمع الكلمة من الخارج وتفقد جوهرها.. بقلم: شريف الهركلي

ليست الأقلام سواء، كما ليست المعادن سواء. فهناك ما يزداد قيمةً مع الزمن، وهناك ما يكتفي ببريقٍ خارجي يخفي هشاشة الداخل. والنحاس، حين يُصقل، قد يخدع العين بلمعانه، لكنه لا يبلغ صفاء الذهب، ولا نقاء الماس.
وهكذا هو القلم النحاسي؛ قلمٌ يلمع أكثر مما يُفكر، ويُزيَّن أكثر مما يُنير، ويهتم بالصورة أكثر من الحقيقة. يظهر مرتبًا في العلن، لكنه قد يفتقر إلى العمق في الجوهر، لأن معيار الكتابة عنده لا يقوم دائمًا على صدق الموقف، بل على حسابات القبول والرضا.
القلم النحاسي لا ينطلق من ضميرٍ حر بقدر ما ينطلق من مساحةٍ محسوبة: ماذا يُرضي؟ ماذا يُغضب؟ أين يقف الضوء؟ وأين يقف الظل؟ لذلك تتبدل لغته بتبدل الظروف، وتتغير نبرته بتغير الاتجاه، فيصبح النص انعكاسًا للمشهد لا تفسيرًا له.
إنه قلمٌ يُجيد صياغة العبارة، لكنه لا يغامر كثيرًا بصياغة الموقف. يكتب ليُرى أكثر مما يكتب ليُفهم، ويهتم بتجميل المعنى أكثر من تعميقه، فيبدو قريبًا من الحقيقة شكلًا، لكنه لا يقترب منها دائمًا جوهرًا.
وفي زمن تضج فيه الأصوات، يصبح الخطر ليس في غياب الكلمة، بل في كثرتها دون أثر؛ حين تتحول الكتابة إلى واجهةٍ أنيقة، لكنها لا تُحدث تغييرًا في وعي القارئ، ولا تترك سؤالًا عميقًا في داخله.
الفرق بين القلم النحاسي والقلم الذهبي أو الماسي ليس في اللغة، بل في الموقف. فالأول قد ينجح في الظهور، لكنه لا ينجح دائمًا في التأثير، لأنه يتجنب كلفة الحقيقة حين تصبح ثقيلة، ويتراجع حين يصبح الصدق اختبارًا حقيقيًا.
ومع ذلك، فإن القلم النحاسي ليس نقيضًا للمعرفة، بل هو تعبير عن منطقةٍ رمادية في المشهد الإعلامي؛ حيث تتداخل الرغبة في القول مع الخوف من الثمن، وتختلط المهنية بحسابات البقاء، فتخرج الكلمة أقرب إلى التوازن منها إلى الصراحة الكاملة.
لكن يبقى السؤال مفتوحًا: هل يبقى القلم نحاسيًا إلى الأبد؟
الإجابة: لا. فالقلم الذي يختار أن يقترب من الحقيقة بصدقٍ وشجاعة، يمكن أن يعيد تشكيل معدنه، فينتقل من اللمعان الخارجي إلى الجوهر الحقيقي، ومن التزيين إلى التأثير، ومن الحضور إلى القيمة.
عندها فقط لا يعود القلم مجرد أداة كتابة… بل يتحول إلى موقف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com