جمعية “أفواج”.. الثقافة كفعل مقاومة ناعم لصناعة الإنسان الفلسطيني.. بقلم: شريف الهركلي

في المشهد الفلسطيني المزدحم بالتحديات والاختبارات القاسية، تظل الثقافة أحد أهم مسارات البقاء، لا بوصفها ترفًا فكريًا، بل باعتبارها فعلًا مقاومًا ناعمًا يعيد تشكيل الوعي ويحمي الهوية من التآكل، ويمنح الإنسان مساحة ليبقى حاضرًا رغم كل ما يحيط به من ألم.
ومن هذا المنطلق، جاءت زيارة وفد جمعية أفواج الثقافية للآداب والفنون إلى اللجنة الشعبية لمخيم الشاطئ، لتفتح أفقًا جديدًا لفكرة “الاستثمار في الموهبة”، باعتبارها مدخلًا حقيقيًا لبناء جيل قادر على التعبير والإبداع والمشاركة في صياغة الرواية الوطنية الفلسطينية بلغة الثقافة لا الصراع وحده.
وقد ضم الوفد نخبة من الأكاديميين والكتاب والمثقفين: د. كمال الحداد، د. حسن الغول، د. عيسى الصادق، الأستاذ عاطف الدرة، الأستاذة إنعام البطريخي، والأستاذة نبيلة اسبيتان، في حضور يعكس جدية المشروع وعمق الرؤية التي تقف خلف هذه المبادرة الثقافية.
وتأتي هذه الزيارة في إطار إطلاق مسار عملي يبدأ بجلسات تقييم وفرز للمواهب، تمهيدًا لمرحلة لاحقة تتضمن سلسلة من الورش التدريبية المتخصصة، التي لا تكتفي بالاكتشاف، بل تعمل على صقل المهارات وتنميتها وفق أسس علمية ومنهجية، لتحويل الطاقات الفردية إلى قدرات إبداعية مؤثرة في المشهد الثقافي العام.
إن أهمية هذه المبادرة لا تكمن فقط في بعدها التدريبي، بل في فلسفتها الأعمق التي تعيد الاعتبار للإنسان بوصفه محور التنمية وهدفها الأول، وتؤكد أن الثقافة ليست هامشًا في الحياة، بل هي أحد أعمدتها الأساسية في بناء الوعي وصناعة المستقبل.
وفي ظل ما يعيشه الواقع الفلسطيني من ضغوط مركبة، يصبح الاستثمار في الثقافة ضرورة وطنية، لأنه يخلق ما يمكن تسميته بـ“القوة الناعمة الفلسطينية”، تلك التي تقاوم بالوعي، وتبني بالمعرفة، وتواجه بالعطاء الإنساني والفكري بدلًا من الاستنزاف المستمر.
ولا يمكن المرور على هذه الزيارة دون استحضار الراحل المستشار الثقافي للجمعية، الدكتور جهاد الباز، الذي غاب شهيدًا، لكن روحه ما زالت تحلق في فضاءات الثقافة الفلسطينية.
كان رجلًا يعرف الشعر ببحوره، والرواية بأشكالها وأنواعها، وكان حاضرًا بفكره ووعيه في كل تفاصيل المشروع الثقافي. نفتقده اليوم في هذه اللحظة، لكن أثره باقٍ في كل فكرة تُكتب، وكل موهبة تُكتشف، وكل حلم ثقافي يُولد من جديد.
إن بناء الموهبة هنا ليس هدفًا فرديًا، بل مشروعًا جماعيًا لصناعة جيل يحمل ذاكرة المكان، ويعيد تقديمه للعالم بلغة الفن والأدب والإبداع، لا بلغة الألم وحده.
كل التحية والتقدير لجهود جمعية أفواج الثقافية للآداب والفنون، التي تؤكد أن الثقافة ليست نشاطًا عابرًا، بل مشروع وعي طويل الأمد، وأن الاستثمار في الإنسان هو الطريق الأعمق والأبقى لصناعة المستقبل وحماية الهوية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com