مصر في قلب غزة… كرة القدم رسالة تضامن عربي.. بقلم: شريف الهركلي

رغم غبار الحرب والخراب، ورغم الألم الذي يثقل تفاصيل الحياة في غزة، ما زال الفلسطيني يبحث عن نافذة يطل منها على الحياة والأمل. وكانت كرة القدم واحدة من تلك النوافذ التي جمعت بين الرياضة والسياسة والإنسانية، وحولت مباراة المنتخب المصري أمام منتخب الأرجنتين إلى مشهد عربي نابض بالمحبة والتضامن.
تابع الفلسطينيون المباراة بشغف كبير، وهتفوا للمنتخب المصري وتمنوا له الفوز، ليس فقط من أجل كرة القدم، بل لأنهم رأوا في حضور مصر في المحافل الدولية رفعًا لراية عربية تحمل آمال الملايين. فالعلاقة بين الشعبين الفلسطيني والمصري لم تكن يومًا مجرد علاقة جوار، بل علاقة تاريخ ومصير مشترك ووجدان واحد.
في إحدى أمسيات غزة، وبينما كنت في مقهى مطل على شاطئ البحر، لفت انتباهي مشهد الأعلام المصرية وهي ترفرف إلى جانب الأعلام الفلسطينية عند المدخل، وكأنها تعانق بعضها بعضًا في رسالة صامتة تختصر سنوات طويلة من الأخوة والمحبة.
في الداخل، احتشدت الجماهير أمام الشاشات الكبيرة، تتعالى أصوات التشجيع مع كل هجمة مصرية، وتزداد الحماسة مع كل تصدٍّ يحافظ على آمال المنتخب. كان التصفيق والتهليل والتكبير يملأ المكان، في مشهد يؤكد عمق الحضور المصري في وجدان الفلسطينيين، وأصالة العلاقة التي تربط الشعبين الشقيقين.
وبين الحشود، استوقفني رجل مسن كان يتابع المباراة بعينين أثقلتهما الأحزان. اقتربت منه فوجدت في ملامحه قصة فقد كبيرة؛ فقد زوجته وأبناءه وبناته جميعًا في الحرب، وبقي وحيدًا يحمل ذاكرة مليئة بالغياب.
سألته: ماذا تتمنى؟
أجاب دون تردد: “أتمنى أن تفوز مصر.”
قلت له: ولماذا؟
فقال: “لأن مصر كانت وستبقى القلب النابض للأمة العربية.”
صمتُّ للحظة وأنا أستمع إلى كلماته، وأدركت أن الفلسطيني، رغم دموع الفقد وركام البيوت الذي دفن الذكريات، ما زال قادرًا على التضامن مع أشقائه ومشاركتهم أفراحهم وأحلامهم. يعضّ على جراحه بصبر، ويواصل التمسك بالحياة رغم قسوتها. وأحيانًا يبتسم ليخفي تفاصيل حكاية طويلة من الوجع، حفرتها الأيام على خارطة التجاعيد التي ارتسمت على وجه أنهكته الحرب والخوف والانتظار.
ومع نهاية مباراة مصر والأرجنتين، خيّم الحزن على وجوه الجماهير الفلسطينية بعدما لم تكتمل الفرحة التي تمنوها للمنتخب المصري، لكن مشاعر المحبة والتقدير بقيت حاضرة، لأن الفلسطيني لم يكن يشاهد مباراة فقط، بل كان يعيش لحظة تضامن عربي وإنساني مع مصر الشقيقة.
وفي تلك الليلة، لم تكن الأعلام المصرية والفلسطينية المرفوعة على مدخل المقهى مجرد زينة عابرة، بل كانت تلخص حكاية شعبين تجمعهما الأخوة والوجع والأمل. أثبت الفلسطيني مرة أخرى أن الحرب قد تسرق البيت والذكريات، لكنها لا تستطيع أن تنتزع منه انتماءه العربي أو قدرته على مشاركة أشقائه أفراحهم وأحلامهم.
وهكذا بقيت كرة القدم أكثر من مجرد أهداف ونتائج؛ بقيت رسالة تضامن عربي تعانق فيها الرياضة السياسة والإنسانية، وتؤكد أن روابط الشعوب أقوى من كل الظروف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com