قُلْ للجمالِ… بقلم/ د. عبدالرحيم جاموس

قُلْ للجمالِ:
تمهَّلْ قليلًا…
فقد بلغْتَ غايتَكَ.
واركعْ…
لا انكسارًا،
بل إجلالًا
لآيةٍ مرَّتْ على هيئةِ امرأة.
هي ليستْ وجهًا يُرى،
بل ضوءٌ يُهتدى به،
وليستْ ابتسامةً عابرة،
بل نافذةٌ يطلُّ منها الرجاء.
إذا مرَّتْ،
ارتبكَ الوردُ في تعريفِ العطر،
وأطالَ الصباحُ الوقوفَ
على عتبةِ الضوء،
وأدركَ القمرُ
أنَّ للجمالِ وجوهًا
لا تُقاسُ بالملامح،
بل بما تُوقظهُ في القلوب.
في عينيها
وطنٌ من سكينة،
وفي حضورِها
قصيدةٌ لا تكتملُ إلا بالصمت،
وفي روحِها
ذلك الجمالُ النادرُ
الذي لا يشيخ.
فيا أيُّها الجمالُ…
إذا لقيتَها،
فاخلعْ عنكَ زهوَكَ،
واركعْ باحترام؛
فثمَّةَ جمالٌ
لا يُنافسُه جمال،
لأنَّه يبدأُ من القلب…
ويُقيمُ في الروح.
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض
12/7/2026م

قراءة أدبية في نص “قُلْ للجمالِ…” للدكتور عبدالرحيم جاموس


بقلم:د. عادل جوده. من العراق

في قصيدته النثرية المكثفة، يفتتح الدكتور عبدالرحيم جاموس نصه بجملة أمرية ذات دلالة عميقة: “قُلْ للجمالِ: تمهَّلْ قليلًا… فقد بلغْتَ غايتَكَ”. هذا الاستهلال ليس مجرد طلب، بل هو إعلان نادر عن بلوغ الجمال حدّه الأقصى، لحظة اكتمال المعنى في صورة مرئية.
إنه خطابٌ موجهٌ إلى الجمال المطلق، الجمال بوصفه قيمة كونية وفكرة مجردة، يأمره بالتوقف والتأمل والركوع، لا عن ضعف، بل “إجلالًا لآيةٍ مرَّتْ على هيئةِ امرأة”.
هنا، يتحول النص من مجرد وصف إلى منحى صوفي خالص، المرأة ليست غرضًا جماليًا، بل علامة دالة على ما هو أسمى، حاملة للضوء لا مجرد عاكسة له.

يكثف الشاعر رؤيته الفلسفية عبر سلسلة من النفي والإثبات: “هي ليستْ وجهًا يُرى، بل ضوءٌ يُهتدى به، وليستْ ابتسامةً عابرة، بل نافذةٌ يطلُّ منها الرجاء”.
الجمال هنا فعلٌ وتأثير، لا شكلٌ ولون.
يتجاوز البصر ليصبح بصيرة، فالوجه ليس غاية الإدراك بل وسيلته، والابتسامة ليست انفراجة شفاه بل أفق ينفتح على الأمل. بهذا التعريف، ينتقل الجمال من الحسي إلى الميتافيزيقي، من الملموس إلى الشعري المحض.

ثم ينقلنا الشاعر إلى مشهد كوني بديع حين ترسم المرأة حضورها في الطبيعة: “إذا مرَّتْ، ارتبكَ الوردُ في تعريفِ العطر”.
هذا التشخيص البليغ يمنح الوردة وعيًا مرتبكًا، فالعطر الذي ظنت أنه حقيقتها يتلاشى معناه أمام أريج آخر قادم من الروح.
أما الصباح فيقف طويلًا “على عتبةِ الضوء”، كأن الزمن نفسه يتلعثم وتتعطل حركته أسيرًا للدهشة.
وفي تتويج المشهد، يعترف القمر بهزيمته المعرفية مكتشفًا “أنَّ للجمالِ وجوهًا لا تُقاسُ بالملامح، بل بما تُوقظهُ في القلوب”.
هنا يكتمل درس الجمال: لا قيمة للمرئي إن لم يوقظ في الداخل حياة جديدة.

تنتقل القصيدة بعد ذلك من المشهد الخارجي إلى جغرافية الذات: “في عينيها وطنٌ من سكينة”.
العينان لم تعودا مجرد عضو، بل صارتا فضاءً وجوديًا وملاذًا، والسكينة التي تسكنهما تجعل من النظر إليهما فعل لجوء. ثم يأتي التعريف الأكثر عمقًا: “وفي حضورِها قصيدةٌ لا تكتملُ إلا بالصمت”.
إنها مفارقة شعرية رائعة، الحضور ذاته نص، ولكن هذا النص يبلغ تمامه حين تلجأ اللغة إلى حدودها القصوى فتصمت، وكأن الكلمات حين تعجز تبدأ في قول الحقيقة. ويتوج هذا البناء بروحها التي تملك “ذلك الجمال النادر الذي لا يشيخ”، إشارة إلى الخلود، فما يسكن الروح لا يذبل ولا يدركه الفناء، إنه جمال الجوهر الثابت في زمنه الخاص.

يختتم النص بدائريته المنطقية عائدًا إلى الأمر الأول، لكنه هذه المرة يرفعه إلى مرتبة الحكمة: “فيا أيُّها الجمالُ… إذا لقيتَها، فاخلعْ عنكَ زهوَكَ، واركعْ باحترام”.
الجمال المتكبر مدعو إلى التواضع، إلى الاعتراف بأنه قد وجد ما يفوق مقاييسه.
يختم الشاعر بالبيت الشعري المحكم:
“لأنَّه يبدأُ من القلب… ويُقيمُ في الروح”، فالجمال الحقيقي رحلة هبوط وصعود، يبدأ من جوهر الإنسان ولا يكتفي بالسطح، ويتخذ من الروح مقامًا دائمًا. إنها قصيدة تتجاوز المدح إلى التأمل الفلسفي، وتتجاوز الغزل إلى الصلاة، محققة في بنائها اللغوي المقتصد ذاك المزيج النادر بين الجزالة والصوفية والدفق العاطفي العميق.
تحياتي واحترامي 🌹

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com