بقلم: يوسف بن مير، فاطمة الزهراء العريبي، وكايتلين وارينغ
مراكش، المغرب
قراءة في تجربة زلزال المغرب في شتنبر 2023 في 24 يونيو 2026، شهدت فنزويلا واحدا من أعنف الزلازل في تاريخها الحديث، بعدما ضربها زلزالان متتاليان بلغت قوتهما 7.2 و7.5 درجات على مقياس ريختر، ولم يفصل بينهما سوى تسع وثلاثون ثانية. وخلال أيام قليلة، تجاوز عدد الضحايا ألفي قتيل، فيما أصيب أكثر من أحد عشر ألف شخص، وبقي آلاف آخرون في عداد المفقودين. وبينما تواصل فرق الإنقاذ البحث بين الأنقاض، تزداد عمليات الإغاثة تعقيدا في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة التي تعيشها البلاد. ورغم الاستجابة الدولية السريعة لتلبية الاحتياجات العاجلة من غذاء وماء ومأوى ورعاية طبية، فإن سؤالا آخر بدأ يبرز مع انقضاء مرحلة الطوارئ: ماذا عن الآثار النفسية العميقة والصدمات التي تبقى عالقة في نفوس المتضررين؟ قبل ثلاث سنوات، وفي أعقاب زلزال شتنبر 2023 الذي ضرب إقليم الحوز، وجدت مؤسسة الأطلس الكبير نفسها أمام هذا الواقع. ولم تكن استجابتها في استحداث برنامج جديد، بل في توظيف منهجية قائمة أثبتت أثرها في دعم التعافي النفسي وتعزيز التمكين. منهجية طُوِّرت قبل الكارثة قبل سبع سنوات من زلزال الحوز، شرعت مؤسسة الأطلس الكبير في تطبيق منهجية IMAGINE في عدد من القرى والحواضر بالمغرب. ورغم أن هذه المنهجية، التي طورها معهد التمكين (Empowerment Institute)، لم تُنشأ للاستجابة للكوارث، بل لتمكين النساء من تعزيز ثقتهن بأنفسهن، وتحديد أهدافهن، والاضطلاع بدور فاعل في رسم مستقبلهن، فإنها أوجدت في الوقت نفسه مقومات أثبتت أهميتها عند وقوع الزلزال. فقد ساعدت على بناء روابط أكثر متانة بين أفراد المجتمع، وتعزيز روح التكافل والتضامن، وإعداد ميسرين وميسرات يمتلكون المهارات اللازمة لاحتضان الحوارات الصعبة ومرافقة المجتمعات في الأوقات العصيبة. وهكذا، تحولت الروابط المجتمعية التي عززتها المنهجية، إلى جانب شبكة الميسرين والميسرات الذين أُعدوا على مدى سنوات، إلى أحد أهم عناصر استجابة مؤسسة الأطلس الكبير للزلزال. فنجاح المؤسسات في التعامل مع الأزمات يعتمد بدرجة كبيرة على ما راكمته من خبرات وعلاقات قبل وقوعها. وفي حالة مؤسسة الأطلس الكبير، كانت سنوات العمل الميداني قد أرست بالفعل الأساس الذي سمح بالتحرك السريع والفاعل. وهكذا، تمكنت المؤسسة من تنظيم 100 ورشة للدعم النفسي والتمكين فور وقوع الزلزال، استفاد منها أكثر من 4,000 امرأة ورجل وطفل في المناطق المتضررة. | | |
| | ولم يقتصر أثر منهجية IMAGINE، حتى قبل الزلزال، على تعزيز الثقة بالنفس، بل أسهمت أنشطتها أيضًا في توفير مساحة آمنة للحديث عن الآلام والتجارب التي ظل كثيرون يحتفظون بها لسنوات. فتمرين التنفس، الذي صُمم لمساعدة المشاركين على الاسترخاء واستشراف مستقبلهم، كان كثيرًا ما يفتح الباب للحديث عن مخاوف عميقة مرتبطة بالفقر، أو الخلافات الأسرية، وغيرها من التحديات الاجتماعية والاقتصادية. كما أن نشاط “تمرين النفق”، الذي يرافق فيه أحد المشاركين الآخر لاستحضار مرحلة صعبة من حياته، أتاح للكثيرين لأول مرة فرصة التعبير عن تجارب مؤلمة، من بينها حالات إساءة، أو فقد لم يجد أصحابها يومًا مساحة آمنة للحديث عنها. وحتى جلسات التأمل في البعد الروحي، التي صُممت لمساعدة المشاركين على استكشاف أهدافهم الشخصية، كانت تقود أحيانا إلى نقاشات صريحة حول مشاعر النقص وضعف تقدير الذات. | | | | | | | | | | | | |
واليوم، أصبح من الواضح أن العلاقة بين التمكين والتعافي النفسي لم تكن وليدة الأزمة. فمنهجية التمكين، وإن لم تُصمَّم أساسًا لمعالجة آثار الكوارث النفسية، كانت تحمل في جوهرها مقومات التعافي، إذ وفّرت للمشاركين مساحة للتعبير عن آلامهم، واستيعاب تجاربهم، وبناء الثقة بأنفسهم وبالآخرين، وهو ما سهّل تكييفها لتلبية احتياجات المجتمعات المتضررة عقب الزلزال. تكييف المنهجية مع واقع ما بعد الزلزال في أعقاب زلزال الحوز، تواصلت منظمة Project HOPE مع مؤسسة الأطلس الكبير لبحث إمكانية تنفيذ برنامج للدعم النفسي والاجتماعي في المناطق المنكوبة. وأثناء دراسة البرنامج المقترح، لاحظ فريق المؤسسة أن كثيرًا من مبادئه وأساليبه تتقاطع مع منهجية IMAGINE التي اعتاد العمل بها منذ سنوات. ولذلك، لم تكن الحاجة إلى تصميم برنامج جديد بالكامل، بل إلى إعادة تكييف المنهجية القائمة بما يستجيب لخصوصية المرحلة التي فرضها الزلزال. وانطلاقًا من ذلك، أُعيدت صياغة بعض مكونات البرنامج؛ فاستُبعدت موضوعات مثل “العمل والدخل” لإعطاء الأولوية لقضايا أكثر ملاءمة لمرحلة ما بعد الكارثة. كما جرى توسيع تمرين “الصديقة”، الذي يساعد المشاركين على التعرف إلى الأشخاص الذين يشكلون شبكة الدعم في حياتهم، ويمنحهم مساحة أوسع للبوح والتعبير، بعد أن كان نشاطًا فرعيًا ضمن محور تقدير الذات، وأصبح أحد أبرز التمارين في البرنامج عقب الزلزال. وشهدت الجلسات المخصصة للعناية بالجسد أيضًا تحولًا في مضمونها؛ فبدلًا من التركيز على التغذية والنشاط البدني، انصب الاهتمام على ممارسات النظافة الشخصية، استجابةً لواقع آلاف الأشخاص الذين كانوا يعيشون في خيام مكتظة تفتقر إلى المياه الكافية والمرافق الصحية. كما أُفسح مجال أكبر لسرد التجارب الشخصية. ففي الظروف العادية، كانت أنشطة IMAGINE تقود المشاركين تدريجيًا نحو التفكير في الحلول واتخاذ خطوات عملية، أما بعد الزلزال، فأصبحت الأولوية لتوفير مساحة آمنة يبوحون فيها بما مروا به. ومن هذا المنطلق، خُففت البنية المنظمة لجلسات السرد، ومُنحوا مساحة أوسع لمشاركة تجاربهم، إيمانًا بأن البوح بما مرّوا به يشكّل جزءا أساسيا من عملية التعافي النفسي. غير أن التجربة أظهرت أن بعض الأنشطة احتاجت إلى إعادة تكييف لتتلاءم مع واقع ما بعد الزلزال. ومن بينها تمرين “الغرف”، الذي يدعو المشاركين إلى إغماض أعينهم وتخيّل مساحة خاصة بهم، إلا أن هذا التمرين لم يعد مناسبًا لكثير من النساء، لأن إغماض العينين كان يستحضر لديهن لحظة وقوع الزلزال بكل ما صاحبها من مشاعر الخوف والصدمة. | | |
| |
حين كشفت الورش عن جراح أعمق سرعان ما اتضح أن الزلزال لم يكن وحده ما يثقل كاهل المشاركات. فقد فتحت الورش بابًا للحديث عن معاناة ظلت حبيسة الصمت لسنوات. فإحدى الشابات تحدثت لأول مرة عن زواج اتسم بالإساءة والإهمال، بينما استعادت أخريات ذكريات التحرش في الطفولة وسنوات من العنف النفسي، وهي جراح أعادتها الكارثة إلى الواجهة. ومن بين المشاركات أيضًا، برزت امرأة كانت من أكثر المشاركات هدوءًا في ورش IMAGINE، لكنها أصبحت من أكثرهن تفاعلًا في ورش الدعم النفسي والاجتماعي، عندما أتيحت لها فرصة الحداد على والدها الذي قضى في الزلزال، وللبوح بخوفها على ابنها المصاب. وكانت تلك المرة الأولى التي تسمح فيها لنفسها بالبكاء. نحو مسار للتعافي في فنزويلا تكمن أهم الدروس المستفادة من التجربة المغربية في أن الاستعداد للكوارث لا يبدأ عند وقوعها، بل قبل ذلك بسنوات. فالمساعدات المادية، مثل الغذاء والمياه النظيفة والمأوى، ضرورية وعاجلة، لكنها لا تكفي وحدها. واليوم، تنطلق المنظمات في فنزويلا من الدرس نفسه، فتجمع بين الإغاثة الطارئة وخدمات الدعم النفسي والاجتماعي وحماية الأطفال، إدراكًا منها أن الناس يحتاجون أولًا إلى مساحة آمنة للتعبير عن حزنهم قبل أن يتمكنوا من التفكير في مستقبلهم. وتبرز من التجربة المغربية أيضاً حقيقة أساسية، وهي أن نجاح مؤسسة الأطلس الكبير في الاستجابة للأزمة لم يكن وليد لحظة الزلزال، بل ثمرة سنوات من الاستثمار في بناء الثقة داخل المجتمعات، وتكوين ميسّرين مؤهلين، وتطوير منهجية أثبتت فعاليتها قبل وقوع الكارثة. ورغم التحديات الكبيرة التي تواجهها فنزويلا، وما قد تعانيه من محدودية في البنية التحتية الخاصة بالدعم النفسي والاجتماعي، فإن الاستثمار في هذه المنظومة سيظل أحد أهم ركائز التعافي خلال الأشهر والسنوات المقبلة. ——————— يشغل يوسف بن مئير منصب رئيس “مؤسسة الأطلس الكبير” (HAF)، وهي منظمة مغربية-أمريكية غير ربحية مكرسة للتنمية المستدامة. وتعمل فاطمة الزهراء العريبي في المؤسسة بصفتها المدربة الرئيسية في مجال التمكين، بينما تشغل كيتلين وارين منصب مديرة البرامج. | | | | | | | | | | | | |