إشكالية هيمنة قيادات الفصائل الفلسطينية على المواقع التنفيذية والتشريعية وأثرها في التجديد وتدافع الأجيال

بقلم: الدكتور خالد أحمد
أستاذ العلوم السياسية

يُعدّ تدافع الأجيال سنّة كونية تقوم على انتقال المسؤوليات والصلاحيات من جيل إلى آخر في الوقت المناسب. فكما لا يمكن أن يستمر الأب في قيادة الأسرة إلى ما لا نهاية، لا يمكن لأي قيادة سياسية أو تنظيمية أن تبقى في موقعها بصورة دائمة من دون أن يؤثر ذلك في حيوية المؤسسة وقدرتها على التطور. ومن هنا، فإن تداول المسؤولية يمثل الأساس الحقيقي للتجديد والإبداع واستمرارية المؤسسات.
تعاني الفصائل الفلسطينية، في جانب مهم من تجربتها، أزمةً في التجديد، أو ربما أزمةً في الإرادة السياسية للتجديد. فغالبًا ما تحرص القيادات على الاحتفاظ بمواقعها التنظيمية، وفي الوقت نفسه تسعى إلى الهيمنة على السلطة التنفيذية من خلال شغل المناصب الوزارية والوظائف العليا، ولا تكتفي بذلك، بل تمتد هيمنتها إلى المواقع التشريعية عبر عضوية المجلس التشريعي أو البرلمان. وهكذا تتركز السلطات التنظيمية والتنفيذية والتشريعية في أيدي النخبة القيادية ذاتها.
وفي ظل هذا الواقع، تتراجع فعالية المحاسبة والمساءلة، وتصبح التشريعات والسياسات العامة أكثر ارتباطًا بمصالح وتوجهات القيادات النافذة، بدلًا من أن تعكس المصلحة العامة أو تخضع لرقابة مؤسسية حقيقية. وعندما تتداخل الأدوار بين من يقود التنظيم، ومن يدير السلطة التنفيذية، ومن يمارس الرقابة التشريعية، تضعف الضوابط المؤسسية التي تُعدّ أحد أهم مقومات الحكم الرشيد.
ومن النماذج التي يمكن الاستفادة من بعض جوانبها تجربة الفصل بين قيادة الحزب وكتلته البرلمانية، كما هو الحال في حزب الله، مع الأخذ في الاعتبار اختلاف الظروف السياسية والوطنية لكل حالة. فالفكرة الجديرة بالنقاش ليست استنساخ التجارب، وإنما الاستفادة من مبدأ الفصل بين الأدوار بما يعزز الرقابة والمساءلة ويقوي الأداء المؤسسي.
إن إجراء انتخابات دورية لقيادات الفصائل يرسخ مبدأ المحاسبة الداخلية، ويمنح الأعضاء فرصة لتقييم الأداء وتجديد الثقة أو سحبها. كما أن انتخاب أعضاء البرلمان ينبغي أن يقوم على البرامج السياسية، وكفاءة المرشحين، وقدرتهم على تمثيل المواطنين، وسنّ التشريعات التي تخدم المجتمع، وممارسة الدور الرقابي في مساءلة الحكومة والوزراء ومحاسبتهم.
إن استمرار هيمنة قيادات الفصائل على المواقع التنظيمية والتنفيذية والتشريعية في آنٍ واحد يفتح الباب أمام تركز النفوذ، ويحدّ من فرص تداول القيادة، ويقلص مساحة مشاركة الشباب والكفاءات، ويؤدي إلى تنامي الإحباط وتآكل الثقة داخل الفصائل نفسها، فضلًا عن تراجع ثقة المجتمع بها.
وفي المقابل، فإن توزيع المسؤوليات والفصل بين المواقع التنظيمية والتنفيذية والتشريعية يمنح قيادات الفصائل فرصة أكبر للتركيز على رسم السياسات العامة، ومتابعة أداء ممثليها في الحكومة والبرلمان، وتقييم إنجازاتهم، ومحاسبتهم عند التقصير أو الإخفاق، بدلًا من الانشغال بإدارة جميع المواقع في الوقت ذاته.
كما أن القيادة التنظيمية لا تعني بالضرورة النجاح في العمل الحكومي أو النيابي؛ فلكل موقع متطلباته ومهاراته الخاصة. فالوزارة تحتاج إلى شخصية تمتلك الخبرة الإدارية والفنية في مجال اختصاصها، والبرلمان يحتاج إلى نائب قادر على التشريع والرقابة والتواصل مع المواطنين، بينما تتطلب القيادة التنظيمية مهارات مختلفة تتعلق بالإدارة السياسية وبناء المؤسسات وتطويرها.
وتقدم بعض الدول نماذج تستحق التأمل في هذا السياق؛ ففي مصر، على سبيل المثال، يُستعان في عدد من الوزارات بشخصيات تمتلك خبرات علمية ومهنية متخصصة، بينما تُسند المواقع الأمنية إلى كوادر تمتلك خبرة عملية في المجال الأمني. ورغم اختلاف السياقات السياسية بين الدول، فإن مبدأ الاستفادة من الكفاءات المتخصصة يظل عنصرًا مهمًا في بناء مؤسسات أكثر فاعلية وكفاءة.
إن التنوع في اختيار القيادات، وتجديد النخب، والفصل بين المسؤوليات، تمثل جميعها ركائز أساسية لتعزيز الأداء واستعادة الثقة المجتمعية. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على قيام السلطة الفلسطينية عام 1994، وما شهدته هذه المرحلة من إخفاقات متكررة، وتراجع في شعبية الفصائل، وانخفاض في مستوى الثقة بها، فضلًا عن التداعيات العميقة التي خلفتها حرب الإبادة على غزة، تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحًا إلى مراجعة شاملة للتجربة، وتقييم موضوعي لأدوات العمل السياسي والتنظيمي، وإفساح المجال أمام جيل جديد من القيادات والكفاءات القادرة على تجديد الأمل، واستعادة ثقة مجتمع أثقلته سنوات طويلة من المعاناة والقهر والتحديات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com