بَيْنَ اللِّجَانِ وَفِقْهالِاحْتِيَاجِ الْإِدَارِيِّ: لِمَاذَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُلْدَغَ مِنَ الْجُحْرِ مَرَّتَيْنِ؟

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين»، وهو توجيه نبوي عظيم يدعو إلى التعلم من التجارب، وعدم تكرار الأخطاء، وعدم الإصرار على الأساليب التي أثبت الواقع محدودية أثرها. وهذه القاعدة لا تقتصر على حياة الأفراد، بل تمتد إلى الإدارة والمؤسسات، حيث يصبح تكرار الممارسات ذاتها مع انتظار نتائج مختلفة صورةً من صور الجمود الإداري.
وفي كثير من المؤسسات، ولا سيما في القطاع الصحي، ما زال المشهد يتكرر بصورة تكاد تكون نمطية؛ اجتماعات متتابعة، ولجان تتشكل تباعاً، وصور فوتوغرافية توثق كل لقاء أو نشاط، ثم تُقدَّم هذه الأنشطة وكأنها مؤشرات أداء وإنجاز. لكن السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يُطرح هو: هل تحسن واقع المريض؟ وهل أصبحت الخدمة أكثر جودة؟ وهل تيسرت بيئة العمل أمام الموظفين الذين يقدمون الخدمة في الصفوف الأولى؟
إن النشاط الإداري ليس مؤشراً للأداء، كما أن كثرة الاجتماعات لا تعني جودة الإدارة، والتوثيق بالصور لا يثبت تحقق الأهداف. فمؤشر الأداء الحقيقي هو مقدار التحسن الذي يلمسه المستفيد النهائي، ومدى قدرة المؤسسة على تلبية احتياجاته بكفاءة وعدالة وجودة.
ومن هنا يظهر الخلل المنهجي في صناعة القرار الإداري؛ إذ تُشكَّل اللجان وتُصاغ السياسات بعيداً عن أصحاب الاحتياج الحقيقيين. فلا المرضى وذووهم يشاركون في تحديد احتياجاتهم، ولا العاملون المباشرون في تقديم الخدمة، من موظفي الاستقبال والإداريين، والممرضين، والأطباء، والعاملين الصحيين، يجدون مكاناً داخل تلك اللجان، رغم أنهم الأكثر احتكاكاً بالواقع، والأقدر على تشخيص التحديات اليومية واقتراح الحلول العملية.
إن الإدارة التي تصنع قراراتها بعيداً عن الميدان قد تنجح في إنتاج التقارير، لكنها تعجز عن إنتاج الأثر. فالاحتياج لا يُفترض من خلف المكاتب، وإنما يُكتشف من خلال الاستماع إلى الفئة المستهدفة، وإلى العاملين الذين يعيشون تفاصيل العمل اليومي.
ومن هذا المنطلق يأتي فقه الاحتياج الإداري والخدماتي بوصفه منهجاً يبدأ من الإنسان قبل الإجراء، ومن الواقع قبل القرار، ومن الحاجة قبل النشاط. فالإدارة الرشيدة لا تبدأ بتشكيل اللجان، وإنما تبدأ بتحديد الاحتياجات الحقيقية، ثم تحويل تلك الاحتياجات إلى معايير مهنية واضحة تُبنى عليها السياسات والخطط والبرامج. وعندها فقط تصبح اللجان وسيلة لتنفيذ المعيار، لا بديلاً عنه.
ولذلك فإن بناء المعيار الإداري السليم ينبغي أن يمر بالمراحل الآتية:
أولاً: تحديد الفئة المستهدفة بدقة، وعدم الاكتفاء بالنظرة العامة أو الافتراضات الإدارية.
ثانياً: التعرف المنهجي على احتياجات المرضى وذويهم، إلى جانب احتياجات العاملين المباشرين في تقديم الخدمة، باعتبارهم المصدر الحقيقي للمعلومات.
ثالثاً: صياغة معايير أداء مهنية تنطلق من تلك الاحتياجات، بحيث تصبح قابلة للقياس والتطبيق.
رابعاً: بناء السياسات والبرامج واللجان والأنشطة على أساس تلك المعايير، وليس العكس.
خامساً: اعتماد هذه المعايير مرجعاً أساسياً في صناعة القرار الإداري، بما يضمن أن تكون جميع الجهود المؤسسية موجهة نحو تلبية الاحتياج الحقيقي، لا نحو إنتاج أنشطة شكلية تستهلك الوقت والموارد دون أثر ملموس.
إن الإصلاح الإداري الحقيقي لا يبدأ بتشكيل اللجان، ولا بكثرة الاجتماعات، ولا بتوثيق الأنشطة بالصور، وإنما يبدأ بالإنصات إلى أصحاب الاحتياج الحقيقيين، وتحويل احتياجاتهم إلى معايير مهنية تُبنى عليها السياسات والبرامج والخطط. فالمريض وذووه، والعاملون في الصفوف الأولى من موظفي الاستقبال والممرضين والأطباء والعاملين الصحيين، ليسوا مجرد منفذين أو متلقين للخدمة، بل هم المصدر الأول لبناء المعيار. فإذا صَحَّ المعيار، صَحَّت اللجان، واستقامت القرارات، وأصبح الأداء مؤثراً في الواقع، لا مجرد نشاط يُوثَّق في الصور.
أريج خليل صافي



