الانتخابات التشريعية والقدس… هل نكرر تجربة التأجيل؟.. بقلم: أشرف أبو الروس

أعاد المرسوم الرئاسي الذي أصدره الرئيس محمود عباس في 9 تموز/يوليو 2026، محددًا يوم 28 تشرين الثاني/نوفمبر موعدًا لإجراء الانتخابات التشريعية، ملف الانتخابات إلى واجهة المشهد السياسي الفلسطيني بعد سنوات طويلة من تعطيل الحياة الديمقراطية. وقد رحبت لجنة الانتخابات المركزية بالمرسوم، مؤكدة جاهزيتها لتنفيذ العملية الانتخابية، في خطوة أعادت الأمل بإمكانية تجديد شرعية المؤسسات الوطنية وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية.
لكن السؤال الأهم لا يتعلق بموعد الانتخابات بقدر ما يتعلق بالعقبات التي قد تواجهها، وفي مقدمتها مشاركة أبناء شعبنا في القدس المحتلة. فإذا أصر الاحتلال الإسرائيلي على منع إجراء الانتخابات في المدينة المقدسة، فهل تتكرر تجربة تأجيل انتخابات عام 2021، أم تتحول القدس إلى عنوان لمعركة وطنية للدفاع عن الحق الفلسطيني في الانتخاب والترشح؟
هذا السؤال يستند إلى تجربة واقعية وليس إلى افتراضات سياسية. فقد شارك المقدسيون في الانتخابات التشريعية عامي 1996 و2006 وفق ترتيبات نص عليها البروتوكول الخاص بالانتخابات الملحق باتفاقية أوسلو الثانية عام 1995، حيث جرت عملية التصويت عبر مكاتب البريد داخل القدس ومراكز اقتراع في محيطها، بإشراف لجنة الانتخابات المركزية ومراقبة دولية. ورغم محدودية تلك الترتيبات، فإنها كرست حق المقدسيين في المشاركة السياسية ورسخت حضور القدس في العملية الديمقراطية الفلسطينية.
غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات سياسية خطيرة، أبرزها اعتراف الإدارة الأمريكية عام 2018 بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارتها إليها، وما تبع ذلك من سياسات ومشاريع تهدف إلى تكريس الضم والتهويد وفرض وقائع جديدة على الأرض. وفي هذا السياق، سعت إسرائيل إلى تقليص أي حضور سياسي فلسطيني في القدس، بما في ذلك المشاركة في الانتخابات.
وعندما تقرر إجراء الانتخابات الفلسطينية عام 2021، برزت قضية القدس مجددًا. وبعد أشهر من التحضيرات، أعلن تأجيل الانتخابات بحجة رفض الاحتلال السماح بإجرائها في المدينة المقدسة. وقد أثار القرار آنذاك اعتراضات من قوى وفصائل فلسطينية رأت أن القدس يجب أن تكون ساحة مواجهة سياسية وقانونية ودبلوماسية مع الاحتلال، لا سببًا لتعطيل الاستحقاق الديمقراطي، معتبرة أن منح إسرائيل القدرة على تعطيل الانتخابات يمنحها حق الفيتو على القرار الوطني الفلسطيني.
واليوم يعود الجدل نفسه مع اقتراب موعد الانتخابات الجديدة. فهل يُسمح للاحتلال مرة أخرى بأن يحدد مصير الحياة الديمقراطية الفلسطينية؟ أم أن الفلسطينيين سيتعاملون مع القدس باعتبارها جزءًا أصيلًا من العملية الانتخابية لا يمكن استثناؤه أو التنازل عنه؟
إن منع المقدسيين من ممارسة حقهم في الانتخاب والترشح يشكل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي ولحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، كما يتعارض مع القرارات الدولية التي تؤكد أن القدس الشرقية أرض فلسطينية محتلة وأن أي إجراءات إسرائيلية تهدف إلى تغيير وضعها القانوني والسياسي باطلة وغير شرعية.
وفي الوقت ذاته، فإن نجاح الانتخابات لا يتوقف على مواجهة إجراءات الاحتلال فحسب، بل يتطلب أيضًا تعزيز الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام وتهيئة بيئة سياسية تقوم على الشراكة واحترام نتائج صناديق الاقتراع. فالانتخابات ليست مجرد موعد أو إجراء قانوني، بل فرصة لاستعادة ثقة المواطن الفلسطيني بمؤسساته وتجديد شرعياته الوطنية.
تبقى القدس الاختبار الحقيقي لهذا الاستحقاق. فهي ليست مجرد دائرة انتخابية، بل عنوان الهوية الوطنية الفلسطينية. ومن هنا فإن نجاح انتخابات 2026 سيقاس بقدرة الفلسطينيين على حماية حق المقدسيين في المشاركة السياسية، ورفض منح الاحتلال حق التحكم بمستقبل ديمقراطيتهم أو تعطيل إرادتهم الوطنية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com