إرهاب المستوطنين في شرق نابلس يستدعي تفعيل المقاومة الشعبية وتنظيمها.. كتب : وليد العوض

لم يعد الحديث عن تزايد اعتداءات المستوطنين على المواطنين في قرى الضفة الغربية كافيًا، كما لم تعد بيانات الإدانة والمناشدات للمجتمع الدولي مجدية في ظل استمرار سياسة الإفلات من العقاب، وصمت المجتمع الدولي الذي يرقى إلى مستوى التواطؤ مع حكومة الاحتلال، التي توفر الحماية الكاملة للإرهاب الاستيطاني.
فما شهدته خلال اليومين الماضيين قرى بيت فوريك وتل وبيت دجن، حيث هاجمت قطعان المستوطنين الأهالي ومنازلهم وممتلكاتهم تحت حماية جيش الاحتلال، وأدى ذلك إلى استشهاد ستة مواطنين وإصابة العشرات، بعضهم بجروح خطيرة، يؤكد أننا أمام مرحلة جديدة من الإرهاب المنظم، هدفها كسر إرادة المواطنين، وتهجيرهم القسري، وفرض وقائع استيطانية جديدة على الأرض.
لقد تصدى أبناء هذه القرى بشجاعة لهذا العدوان، وأثبتوا مرة أخرى أن صمود المواطنين هو خط الدفاع الأول عن الأرض. غير أن هذا الصمود يحتاج إلى إسناد وطني منظم، وخطة عمل ميدانية تتناسب مع حجم التهديد المتصاعد.
إن قرى شرق نابلس أصبحت اليوم في عين العاصفة، وما يجري فيها ليس أحداثًا معزولة، بل جزء من مخطط استيطاني يستهدف شمال الضفة الغربية، ويمتد تدريجيًا ليطال مختلف محافظاتها، مستفيدًا من انشغال العالم بحرب الإبادة في قطاع غزة، ومن حالة الانقسام والضعف التي تعانيها الساحة الفلسطينية.
ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي الانتقال من ردود الفعل إلى الفعل المنظم، عبر تفعيل وتوسيع المقاومة الشعبية في جميع المناطق المهددة، وتنظيمها في إطار لجان حماية وحراسة شعبية، وتعزيز لجان الطوارئ والإسناد، وتوفير كل مقومات الصمود للمواطنين، بما يمكنهم من حماية أراضيهم وممتلكاتهم وإفشال مخططات التهجير والاستيطان.
كما تفرض المرحلة الإسراع في إنجاز الوحدة الوطنية، وتعزيز العمل الميداني المشترك بين جميع القوى والفعاليات، وإطلاق أوسع حملة سياسية وقانونية وإعلامية لفضح جرائم الاحتلال ومستوطنيه، ومطالبة المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته، ليس عبر بيانات الإدانة، وإنما من خلال فرض العقوبات على دولة الاحتلال، ومساءلة قادتها ومستوطنيها على جرائمهم.
إن ما يجري اليوم في قرى شرق نابلس قد يتكرر غدًا في أي قرية أو مدينة فلسطينية إذا بقي الإرهاب الاستيطاني بلا رادع. ولذلك، فإن الدفاع عن بيت فوريك وبيت دجن وتل هو دفاع عن نابلس، وعن الضفة الغربية بأسرها، وعن الحق الفلسطيني في البقاء على الأرض. فالمعركة لم تعد معركة قرية بعينها، بل معركة شعب يدافع عن وجوده وهويته ومستقبله في مواجهة مشروع استيطاني إحلالي، لا يمكن إفشاله إلا بوحدة وطنية راسخة، ومقاومة شعبية منظمة، وإرادة فلسطينية قادرة على تحويل الصمود إلى فعل نضالي يومي يحمي الإنسان والأرض. 24- تموز -2026

خطاب الحية… غياب الرواية الوطنية في لحظة تحتاج إلى مشروع وطني جامع
كتب : وليد العوض
في خضم الحزن على رحيل الرفيق العزيز نصر أبو جيش، أحد أبرز قادة الحركة الوطنية الفلسطينية ونشطاء المقاومة الشعبية، وما يعيشه شعبنا من قتل وتجويع وقصف يومي في قطاع غزة، فاتني الاستماع إلى الخطاب الأول للدكتور خليل الحية بعد انتخابه رئيسًا للمكتب السياسي لحركة حماس. وحين عدت إليه لاحقًا، وجدته يستحق قراءة هادئة، ليس فقط لما تضمنه، وإنما أيضًا لما غاب عنه.
يأتي انتخاب الحية في ظروف استثنائية فرضتها حرب الإبادة، وبعد استشهاد عدد من أبرز قادة الحركة، بما يعكس عملية تجديد للقيادة تحت النار. ولذلك، فإن خطابه الأول لا يُقرأ بوصفه كلمة بروتوكولية، بل باعتباره مؤشرًا إلى رؤية الحركة للمرحلة المقبلة.
تضمن الخطاب رسائل إيجابية، وفي مقدمتها التأكيد على وقف العدوان، وإغاثة أبناء شعبنا، وإعادة إعمار غزة، والتشديد على أهمية الوحدة الوطنية. وهي جميعها أهداف تحظى بإجماع وطني. غير أن الخطاب لم يوضح كيف يمكن بلوغ هذه الأهداف، ولا ما الذي يمكن أن تبادر إليه حركة حماس في ظل مسار تفاوضي تجري خيوطه وفق موازين قوى وضغوط تفرضها الوقائع الميدانية والمشاريع المطروحة لمستقبل غزة. وكان من المهم أن يطرح رؤية لكيفية استعادة المبادرة الوطنية الفلسطينية، والخروج من حالة انتظار المبادرات التي يصوغها الآخرون، بمغادرة مربعات الوهم والدخول إلى مربعات المبادرة الوطنية، عبر مشروع فلسطيني موحد يعيد بناء النظام السياسي، ويوحد القرار الوطني، ويجعل الفلسطينيين أصحاب المبادرة في رسم مستقبلهم، بدل البقاء أسرى مشاريع الآخرين. ومن هنا، فإن القراءة النقدية تقتضي التوقف عند القضايا التي لم يتناولها الخطاب، وهي في تقديري لا تقل أهمية عما ورد فيه.
أولى هذه القضايا غياب الرواية الوطنية الفلسطينية الجامعة. فلم يتوقف الخطاب عند انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة، ولا عند التضحيات التي قدمتها مختلف فصائل الحركة الوطنية، ولا عند الشهداء والأسرى والجرحى الذين صنعوا، على امتداد العقود، تاريخ النضال الفلسطيني. فمعارك التحرر لا تُبنى على ذاكرة فصيل، بل على ذاكرة شعب.
كما غاب التذكير بالإنجازات السياسية التي حققتها الحركة الوطنية الفلسطينية، وفي مقدمتها تثبيت الهوية الوطنية، وانتزاع الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني، والاعتراف الدولي بدولة فلسطين، وبناء المكانة القانونية والسياسية للقضية الفلسطينية. وهذه ليست إنجازات تخص تنظيمًا بعينه، بل هي رصيد وطني ينبغي صونه والبناء عليه.
والأهم أن الخطاب لم يقدم رؤية سياسية واضحة لمواجهة استحقاقات اليوم التالي للحرب. فالمعركة المقبلة لن تكون فقط من أجل وقف العدوان، بل من أجل إحباط مشاريع فصل غزة عن الضفة الغربية، والتصدي لمحاولات فرض ترتيبات سياسية تنتقص من الحقوق الوطنية الفلسطينية.
وكان من الطبيعي أن يتضمن الخطاب تأكيدًا أوضح على أن غزة والضفة وحدة جغرافية وسياسية واحدة، وعلى ضرورة حماية منظمة التحرير الفلسطينية وتطويرها باعتبارها المرجعية الوطنية الجامعة، إلى جانب الدعوة إلى إنهاء الانقسام عبر خطوات عملية تبدأ بإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس الشراكة والديمقراطية.
إن التحديات التي تواجه شعبنا اليوم أكبر من أي فصيل، ولذلك فإن المرحلة تحتاج إلى مشروع وطني جامع، يستند إلى التاريخ المشترك، ويحترم تضحيات جميع القوى الوطنية، ويوحد أدوات النضال السياسي والشعبي والدبلوماسي في مواجهة الاحتلال.
لقد حمل خطاب الحية رسائل مهمة، لكنه ترك أسئلة جوهرية بلا إجابة. فالفلسطينيون اليوم لا يحتاجون فقط إلى خطاب يؤكد الصمود والمقاومة فهم يعيشونها دون وسيط أو وكيل ، بل إلى رؤية وطنية جامعة تستحضر تاريخ الحركة الوطنية، وتحمي إنجازاتها، وتحدد بوضوح كيف يمكن استعادة الوحدة الوطنية وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني. لقد آن الأوان لمغادرة مربعات الوهم، والدخول إلى مربعات المبادرة الوطنية، لأن المعركة بعد الحرب ستكون على الهوية والرواية والتمثيل والمستقبل، وهي معركة لا يمكن كسبها إلا بمشروع وطني جامع يشارك به الجميع دون غرور . غزة 23-7-2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com