المشروع الاستيطاني الاحلالي.. من القتل إلى تفكيك مقومات البقاء.. مروان إميل طوباسي 

في اليوم الذي حذرت فيه سلطة النقد الفلسطينية من مخاطر انهيار الاقتصاد والخدمات الأساسية نتيجة قطع العلاقات المصرفية مع البنوك الإسرائيلية ، واستمرار قرصنة أموال المقاصة ، وتصاعد أزمة الوقود وما قد يترتب عليها من تعثر صرف الرواتب والمستحقات ، كانت قرية تل غرب نابلس تنزف أربعة شهداء برصاص المستوطنين وجيش الأحتلال ، بعد أيام قليلة من استشهاد ثلاثة فلسطينيين في محافظة رام الله برصاص عصابات الاستيطان . وفي الوقت نفسه ، تتواصل حرب الإبادة في قطاع غزة ، مخلفة عشرات الشهداء يومياً ، وسط سياسة ممنهجة من التدمير والتجويع والتهجير .

هذه الوقائع ليست أحداثاً منفصلة ، ولا يمكن فهمها باعتبارها أزمات متزامنة فحسب ، بل هي تعبير عن مرحلة جديدة بلغها المشروع الأستيطاني الإحلالي ، الذي لم يعد يقتصر على السيطرة على الأرض ، وإنما بأستهداف الإنسان الفلسطيني ، ومؤسساته واقتصاده وكل مقومات بقائه وصموده بل وحياته .

لقد قام المشروع الصهيوني منذ بداياته على الاستيلاء على الأرض وإحلال المستوطنين مكان أصحابها الأصليين . غير أن ما نشهده اليوم يمثل تطوراً نوعياً في أدوات هذا المشروع ، حيث يجري توظيف القوة العسكرية وإرهاب المستوطنين والحصار الاقتصادي والضغط المالي والحصار السياسي ، في إطار استراتيجية واحدة هدفها إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية ، وفرض واقع سياسي جديد يجعل قيام الدولة الفلسطينية أكثر صعوبة ، إن لم يكن مستحيلاً .

ففي قطاع غزة ، تتواصل حرب الإبادة والتدمير والتجويع والتهجير القسري، بما يهدف إلى جعل الحياة مستحيلة، ودفع السكان إلى الرحيل أو إخضاعهم لشروط سياسية وأمنية جديدة تسعى لها ما تسمى بخطة ترامب للسلام . وفي الضفة الغربية ، يتصاعد إرهاب المستوطنين تحت حماية جيش الاحتلال ، وتتوسع المستعمرات والبؤر الاستيطانية وتُصادر الأراضي وتُغلق الطرق وتعزل القرى والمدن الفلسطينية ، في محاولة لفرض الضم الفعلي وخلق بيئة طاردة للفلسطينيين .

وفي الوقت ذاته ، تتخذ الحرب بعداً اقتصادياً لا يقل خطورة ، فقرصنة أموال المقاصة واستهداف القطاع المصرفي والضغط على قطاع الوقود ومحاولات تعطيل قدرة المؤسسات الفلسطينية على الإيفاء بالتزاماتها ، ليست مجرد أدوات ضغط مالي ، بل جزء من سياسة تهدف إلى تقويض مقومات الصمود الوطني ، وتحويل الأزمة الاقتصادية إلى وسيلة لإضعاف المجتمع الفلسطيني ومؤسساته .

إن أخطر ما في هذه المرحلة هو أن الأحتلال يسعى إلى إعادة تعريف القضية الفلسطينية نفسها ، من قضية شعب يناضل من أجل الحرية والاستقلال ، إلى قضية سكان يواجهون أزمات إنسانية واقتصادية وأمنية متلاحقة ، تُدار بالمساعدات والإغاثة وفق اشتراطات ، بينما يتواصل على الأرض مشروع الضم والأستيطان والإحلال .

ومن هنا، فإن مسؤولية الحركة الوطنية الفلسطينية لم تعد تقتصر على التعامل مع نتائج العدوان أو إدارة الأزمات اليومية ، بل أصبحت مسؤولية تاريخية لحماية المشروع الوطني التحرري نفسه من محاولات تفكيكه أو إعادة تعريفه . فالمطلوب اليوم هو استعادة المبادرة الوطنية، وإعادة بناء الوحدة على أساس برنامج سياسي جامع ، وتفعيل وتعزيز مكانة منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا ، وإعادة توجيه وظيفة السلطة الوطنية لتكون أداة لتعزيز صمود شعبنا وخدمة مشروع التحرر ، لا بديلا عنه او مجرد إدارة لواقع يفرضه الاحتلال .

كما يتطلب ذلك بلورة استراتيجية وطنية شاملة ، توظف كل أدوات النضال السياسي والدبلوماسي والقانوني والشعبي والاقتصادي ، وتربط بين حماية الأرض ، وتعزيز صمود الإنسان والدفاع عن المؤسسات الوطنية ومواجهة سياسات الاستيطان والإبادة والحصار باعتبارها مكونات لمشروع استعماري واحد .

إن أخطر ما يمكن أن نواجهه ليس فقط استمرار القتل ، ولا استمرار الاستيطان ، ولا تعميق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية ، بل نجاح الاحتلال في فرض أولوياته علينا ، بحيث ننشغل بإدارة الأزمات المتلاحقة ، بينما يواصل هو تغيير الواقع على الأرض ، وتفكيك مقومات بقائنا الوطني ، وإعادة رسم مستقبل فلسطين .

ولهذا ، فإن حماية المشروع الوطني التحرري لم تعد شعاراً سياسياً، بل أصبحت استحقاقاً وطنياً عاجلاً . فالمعركة الدائرة اليوم ليست على الرواتب وحدها ، ولا على قرية تتعرض لهجوم المستوطنين ، ولا على قطاع يواجه الإبادة ، وإنما على مستقبل القضية الفلسطينية بأكملها . والانتصار فيها يبدأ بإعادة الاعتبار للمشروع الوطني الجامع بكل مكوناته وفق القانون الدولي ، وتوحيد طاقات شعبنا ، واستعادة زمام المبادرة واستثمار التضامن والمتغيرات الدولية ، لأن بقاء فلسطين قضية تحرر وطني هو الرد الحقيقي على المشروع الاستيطاني الإحلالي بكل أشكاله .

* عضو المجلس الاستشاري لحركة فتح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com