الغوغائية السياسية والإعلام المضلل: حين تتحول صناعة الوعي إلى أداة لهدم الدول وتشويه القضايا العادلة

إعداد: المحامي علي أبو حبلة
لم يعد الخطر الذي يهدد الدول والمجتمعات في القرن الحادي والعشرين مقتصراً على الجيوش أو الأزمات الاقتصادية أو الصراعات العسكرية، بل برز خطر أكثر تعقيداً وتأثيراً يتمثل في صناعة “الغوغائية السياسية والإعلامية”، حيث يصبح التضليل بديلاً عن الحقيقة، والتحريض بديلاً عن الحوار، والانفعال بديلاً عن العقل، فتتحول الجماهير إلى أدوات في معارك تُدار بالعواطف والشائعات أكثر مما تُدار بالحقائق والوقائع.
وقد عرف التراث العربي والإسلامي مفهوم الغوغاء والدهماء والرعاع بوصفهم أولئك الذين ينساقون خلف كل ناعق دون تمحيص أو وعي، وهي الفكرة التي عبر عنها الإمام علي بن أبي طالب بقوله: “الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق”. ولم يكن هذا الوصف موجهاً لعامة الناس بقدر ما كان تحذيراً من خطورة تغييب العقل وتحويل الإنسان إلى تابع فاقد للبصيرة.
واليوم، لم تعد الغوغائية مجرد حالة اجتماعية، بل أصبحت مشروعاً سياسياً وإعلامياً متكاملاً، تديره مؤسسات تمتلك المال والتكنولوجيا ومنصات الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، بهدف تشكيل الرأي العام وفق مصالح القوى المهيمنة، حتى أصبحت الحقيقة نفسها ضحية لحروب المعلومات والدعاية المنظمة.
لقد دخل العالم مرحلة “ما بعد الحقيقة”، حيث لم يعد معيار التأثير هو صدق المعلومة، وإنما قدرتها على إثارة الخوف أو الغضب أو الكراهية. وفي هذه البيئة، يصبح الإعلام أداة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي، بحيث يُقنع الضحية بأنها الجاني، ويُظهر المعتدي في صورة المدافع عن النفس، ويحول الاحتلال إلى قضية أمنية، والمقاومة إلى إرهاب، والقتل الجماعي إلى عمليات عسكرية مشروعة.
ولعل القضية الفلسطينية تمثل النموذج الأكثر وضوحاً لهذه الظاهرة. فمنذ عقود، عملت الآلة الإعلامية الإسرائيلية، مدعومة بمنظومات سياسية وإعلامية غربية، على ترسيخ رواية تعتبر الاحتلال دفاعاً عن النفس، بينما تُجرَّم مقاومة شعب يخضع لاحتلال عسكري اعترفت به قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي. وهكذا جرى قلب المفاهيم بصورة غير مسبوقة، فأصبح الحديث عن حقوق الفلسطينيين في بعض المنابر الإعلامية يُصوَّر باعتباره دعماً للإرهاب، بينما تُبرَّر عمليات القتل والتجويع والحصار والتهجير باعتبارها إجراءات أمنية.
لقد ساهمت بعض وسائل الإعلام العربية، عن قصد أو عن جهل، في تكريس هذه الرواية، عبر استضافة أصوات تبرر الاحتلال أو تقلل من شأن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين الفلسطينيين، أو تروج لمقولات تصف الشعب الفلسطيني بأنه سبب أزماته، أو تحاول تصوير القضية الفلسطينية باعتبارها عبئاً على المنطقة. والأخطر من ذلك أن بعض النخب السياسية والإعلامية والثقافية انخرطت في هذا الخطاب، متخلية عن المعايير المهنية والأخلاقية، لتصبح جزءاً من منظومة إعادة إنتاج الرواية الإسرائيلية.
وهنا لا تكمن المشكلة في اختلاف الآراء، فالتعددية الفكرية أساس أي مجتمع ديمقراطي، وإنما في تحويل الإعلام إلى وسيلة لتزييف الحقائق وتضليل الجمهور، وإحلال الدعاية محل الصحافة، والتحريض محل التحليل الموضوعي. فحرية التعبير لا تعني شرعنة الأكاذيب، ولا تبرير جرائم الحرب، ولا المساهمة في شيطنة الشعوب الواقعة تحت الاحتلال.
إن الغوغائية السياسية لا تقتصر على الجماهير، بل قد تصيب بعض النخب التي تمتلك المعرفة لكنها تفتقد المسؤولية الأخلاقية. فليست الشهادة العلمية ضمانة للحكمة، ولا المنصب الإعلامي دليلاً على النزاهة، إذ قد يتحول المثقف إلى أداة تضليل إذا جعل ولاءه للمصلحة أو الأيديولوجيا أو التمويل فوق التزامه بالحقيقة.
وقد أثبتت تجارب التاريخ أن أخطر الانهيارات الحضارية لم تبدأ بالسلاح، وإنما بدأت بانهيار منظومة القيم، وبسيادة خطاب الكراهية، وتهميش العقل، وإقصاء أصحاب الرأي المعتدل، وتقديم المتطرفين بوصفهم ممثلين للرأي العام. وعندما تصبح الإثارة أهم من الحقيقة، ويغدو التضليل أكثر ربحاً من المهنية، تدخل المجتمعات في دوامة من الاستقطاب الحاد، يصعب الخروج منها.
وفي السياق الفلسطيني، فإن استمرار حملات التحريض الإعلامي ضد الشعب الفلسطيني لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يقوض النظام القانوني الدولي بأكمله. فإذا جرى القبول بتبرير استهداف المدنيين، أو استخدام التجويع والحصار والتهجير كسلاح، أو اعتبار الاحتلال حالة طبيعية، فإن ذلك يفتح الباب أمام انهيار المبادئ التي قامت عليها منظومة القانون الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.
كما أن التطبيع الإعلامي مع الاحتلال لا يقل خطورة عن التطبيع السياسي، لأنه يعمل على إعادة تشكيل الوعي العربي تدريجياً، بحيث تصبح الجرائم أمراً اعتيادياً، ويصبح الضحية موضع اتهام، بينما يُقدَّم الجلاد بوصفه شريكاً في السلام. وهذه أخطر نتائج الغوغائية الإعلامية، لأنها تستهدف الذاكرة والهوية والقيم، وليس فقط المواقف السياسية.
ومن هنا، فإن مواجهة الغوغائية لا تكون بالخطاب الشعبوي المضاد، وإنما ببناء وعي نقدي قائم على المعرفة والتحقق واحترام العقل. فالمجتمعات التي تحصن أبناءها بالتعليم الرصين والإعلام المهني والثقافة القانونية أقل عرضة للوقوع ضحية لحملات التضليل، وأكثر قدرة على التمييز بين الرأي والمعلومة، وبين الحقيقة والدعاية.
كما تقع على عاتق المؤسسات الإعلامية مسؤولية كبرى في الالتزام بالمعايير المهنية، وتقديم المعلومات الدقيقة، وإتاحة المجال للنقاش الموضوعي، بعيداً عن التحريض والكراهية والتلاعب بالعواطف. فالإعلام رسالة قبل أن يكون صناعة، ومسؤولية قبل أن يكون وسيلة لتحقيق النفوذ أو المكاسب.
أما على المستوى السياسي، فإن حماية المجتمعات من الغوغائية تتطلب تعزيز دولة القانون، وترسيخ الشفافية، واحترام المؤسسات، وتوسيع المشاركة السياسية، لأن الفراغ السياسي وغياب العدالة يوفران البيئة المثالية لازدهار الشعبوية والتطرف والتضليل.
إن أخطر ما تواجهه الأمم ليس اختلاف الآراء، وإنما غياب العقل النقدي، وسيطرة الروايات الزائفة، وتحويل الإنسان إلى مجرد صدى لما يُملى عليه. ولذلك فإن المعركة الحقيقية في عالم اليوم ليست فقط معركة على الأرض أو الحدود، بل هي معركة على الوعي والذاكرة والحق في امتلاك الحقيقة.
وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فإن الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني ليس دفاعاً عن قضية سياسية فحسب، بل هو دفاع عن المبادئ التي يقوم عليها القانون الدولي، وعن حق الشعوب في الحرية وتقرير المصير، وعن رفض ازدواجية المعايير في تطبيق العدالة. إن مقاومة الاحتلال، وفق الضوابط التي يقررها القانون الدولي، تختلف عن الإرهاب، كما أن حماية المدنيين واجب قانوني وأخلاقي لا يجوز الانتقاص منه تحت أي ذريعة.
إن المستقبل لن يكون لمن يملك أكبر آلة دعائية، وإنما لمن يملك الحقيقة ويستطيع الدفاع عنها بالحجة والقانون والمعرفة. فالتاريخ أثبت أن حملات التضليل قد تنجح مرحلياً، لكنها لا تستطيع محو الحقائق أو إلغاء حقوق الشعوب. أما الأمم التي تجعل من العقل والعلم والعدالة أساساً لنهضتها، فهي وحدها القادرة على مواجهة الغوغائية، وصناعة مستقبل أكثر استقراراً وإنسانية.
ويبقى الرهان الأكبر على بناء إنسان واعٍ، قادر على التفكير المستقل، يرفض الانجرار خلف خطاب الكراهية، ويؤمن بأن قوة المجتمعات لا تُقاس بضجيج الغوغاء، وإنما بقدرتها على صون الحقيقة، واحترام القانون، والدفاع عن الكرامة الإنسانية والعدالة للجميع دون انتقائية أو ازدواجية



