الفساد.. حين يُعاقب الإنسان على كلمة حق لتجاوزات إدارة المخيم.. بقلم: د. سلامه أبو زعيتر

اليوم وأنا صافف في طابور استلام كابونة برنامج الأغذية العالمي (WFP) المنفذة مع مؤسسة “معاً”، التقيت بصديق نذر نفسه ناشطاً ومتطوعاً لخدمة أهلنا في إحدى المخيمات للنازحين من شمال غزة؛ غير أنه وقف أمامي اليوم بقلبٍ موجوع، يشتكي مرارة التضييق والعقاب لمجرد أنه جهر بكلمة الحق، وشهد على ما يدور داخل إدارة المخيم من تجاوزات وتلاعب بالكشوفات لخدمة مآرب ضيقة، ولم يكن هذا اللقاء مجرد حديث عابر في زحمة الانتظار، بل كان صفعة ألم تكشف جرحاً غائراً يعيشه النازحون يومياً؛ فمعاناة أهلنا النازحين لم تعد تقتصر على شح القوت ومرارة النزوح، بل أضيفت إليها مرارة أشد قسوة، وهي أن تضيع أبسط حقوقهم بسبب تجاوزات بعض إدارات المخيمات وغياب الشفافية والوضوح والحوكمة.
إن شهادات الشرفاء والمتطوعين من الميدان تؤكد وجود خلل جسيم؛ فتضخيم أعداد الأفراد في بعض الكشوفات وتسجيل أسماء من خارج المخيم لصالح أطراف داخل إدارة المخيم ليس مجرد خطأ إداري يمكن التغاضي عنه، بل هو سرقة صريحة لقمة العيش من فم المحتاجين، وإن كل طرد إغاثي يذهب لغير مستحقه عن طريق التزوير، يعني حرماناً مباشراً لعائلة أخرى تعود إلى خيمتها بطون أطفالها خاوية؛ كما أن تعاون بعض منسقي المؤسسات مقابل تمرير أسماء من طرفهم على الكشوفات يمثل منظومة كاملة من الفساد، والتغاضي عنها والصمت عليها هو مشاركة صريحة فيها، والأشد إيلاماً من الفساد نفسه، هو أن يُعاقب المتطوع الجريء، ويُلاحَق الناشط الشريف لمجرد أنه رفض الظلم وطالب بالعدالة، فعندما يُحارب الشباب الذين ينقلون نبض الناس، يتحول العمل الإغاثي من رسالة إنسانية نبيلة إلى بيئة خصبة للاستغلال، وهو سلوك يسيء لسمعة المؤسسات الشريكة والكبيرة، والجهات الرسمية الرقابية، والتي غالباً ما تجهل إداراتها المركزية التجاوزات الميدانية التي يرتكبها البعض بعيداً عن الرقابة.
إن استشراء هذا الفساد هو النتيجة الطبيعية لغياب النظام والشفافية والمتابعة الجادة، وتتحمل مسؤوليته الأطراف الرسمية والمؤسسات المنفذة التي تركت الميدان بلا رقابة حقيقية، فضلاً عن السطوة الفصائلية على بعض الإدارات التي تتمترس خلف تنظيماتها لتمارس التجاوزات، وهي تنظيمات تتحمل كامل المسؤولية إن كانت تحترم نفسها ويحركها الواجب الوطني، لذا فإن اقتلاع هذه الظاهرة من جذورها يفرض على وزارة التنمية، ووزارة الإغاثة، والجهات الرقابية ترك مربع “التنديد الشكلي” والنزول إلى الميدان بخطط عمل واقعية وصارمة، وقادرة على تنظيم الواقع، ويتوجب اليوم قبل الغد فرض نظام إلكتروني موحد يربط رقم الهوية الوطنية بالسجل الإغاثي لقطع الطريق على الأسماء الوهمية، وأن يتم تدقيق الكشوفات مركزياً قبل توزيعها؛ فمن المفترض بعد أعوام من المعاناة أن توجد قاعدة بيانات موحدة لكافة النازحين، كما يفترض إنشاء آليات شكاوى مستقلة ومحمية بفتح خطوط سرية ومباشرة تحمي النازح المشتكي والناشط والمتطوع من أي انتقام أو تضييق تُمارسه إدارة المخيم، إلى جانب تشكيل فرق رقابة ميدانية مفاجئة لتفتيش الكشوفات ومطابقتها على الواقع.
وهنا يأتي الدور المفصلي الذي يجب أن تضطلع به مؤسسات وهيئات مكافحة الفساد والمؤسسات الحقوقية؛ إذ لم يعد مقبولاً منها أن تكتفي بدور المراقب البعيد، بل يتوجب عليها أخذ المبادرة والنزول للميدان بفتح تحقيقات رسمية ومعلنة، وفحص السجلات الإغاثية ومطابقتها، وملاحقة المتورطين وفضحهم أمام المجتمع والرأي العام، وإحالتهم إلى المحاسبة والقضاء دون محاباة لأي طائفة أو فصيل، لتكون رادعاً لكل من تسول له نفسه الاتجار بآلام الناس.
أخيرا: إلى الذين استغلوا ألم الناس وجوعهم ليتاجروا بكشوفات المساعدات، اعلموا أن سرقة قوت الجياع والتلاعب بكرامة النازحين في أحلك الظروف هي دناءة أخلاقية وخيانة وطنية لا تُغتفر، ولن يسقط جرمكم بالتقادم، وإن عقاب المتطوع الشريف وتكميم صوت الحق لن يغطي على الفساد، بل يفضحه ويُعرّيكم أمام المجتمع، وإلى الجهات الرسمية والرقابية والمؤسسات الدولية المنفذة، إن الصمت على هذه التجاوزات هو اشتراك صريح فيها، وإن لم تتحركوا فوراً بوضع خطط رقابية واقعية، وتطهير إدارة المخيمات من العابثين، وحماية هؤلاء الشباب الجريئين الذين يدافعون عن الكرامة، فإنكم تضعون مصداقيتكم على المحك، وتتركون أهلنا فريسة للظلم والجوع معاً.. لقد بلّغنا، فليستدرك من يُهمه الأمر قبل فوات الأوان.



