خليل الحية… هل تبدأ حماس مراجعة تفرضها تضحيات غزة؟.. بقلم/ د. عبدالرحيم جاموس

لم يكن انتخاب خليل الحية رئيسًا للمكتب السياسي لحركة حماس مجرد استحقاق تنظيمي فرضته ظروف الحرب، بل جاء في لحظة تُعد من أكثر المراحل حساسية وخطورة في تاريخ الحركة منذ تأسيسها. فغزة التي دفعت أثمانًا بشرية ومادية غير مسبوقة، والشعب الفلسطيني الذي يواجه حربًا مفتوحة ومشروعًا استيطانيًا يتسارع في الضفة الغربية والقدس، يضعان القيادة الجديدة أمام مسؤولية تاريخية تتجاوز مسألة تغيير الأشخاص إلى مراجعة النهج والخيارات.

لقد أثبتت التجارب أن الحركات الوطنية تُقاس بقدرتها على التعلم من خبراتها، ومراجعة حساباتها، وتغليب المصلحة الوطنية على الاعتبارات التنظيمية. وليس عيبًا أن تعيد أي حركة تقييم مسيرتها، بل إن العيب يكمن في الإصرار على تكرار الأخطاء مهما بلغت كلفتها.

ولا خلاف على أن الاحتلال الإسرائيلي يتحمل المسؤولية الكاملة، قانونيًا وأخلاقيًا وسياسيًا، عن حرب الإبادة والتهجير والتجويع والتدمير التي تعرض لها قطاع غزة، وعن استمرار الاحتلال والاستيطان والحصار. غير أن هذه الحقيقة لا تعفي القوى الفلسطينية، وفي مقدمتها حماس، من مسؤولية إجراء مراجعة صريحة لتجربتها السياسية والعسكرية، ولأسلوب إدارة الصراع، ولعلاقتها بالنظام السياسي الفلسطيني، ولأثر الانقسام على القضية الوطنية.

لقد كشفت الحرب، بكل قسوتها، أن الشعب الفلسطيني هو من يدفع الثمن الأكبر، بينما يواصل الاحتلال استثمار الانقسام لتعميق سيطرته على الأرض، وتوسيع الاستيطان، وتقويض فرص قيام الدولة الفلسطينية المستقلة. ولذلك فإن أي مراجعة لا تبدأ بإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية ستظل مراجعة ناقصة، مهما كانت عناوينها.

إن القيادة الجديدة أمام اختبار يتجاوز إعادة بناء الحركة من الداخل؛ فهي مطالبة بالإجابة عن أسئلة كبرى: هل ستبقى حماس أسيرة المعادلات التي حكمت السنوات الماضية، أم ستتجه نحو شراكة وطنية حقيقية؟ وهل ستضع المشروع الوطني الفلسطيني فوق الحسابات الفصائلية؟ وهل ستسهم في إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أساس المشاركة والتعددية والاحتكام إلى الإرادة الشعبية؟

إن المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى خطاب انتصار أو إلى تبادل للاتهامات، بل إلى شجاعة الاعتراف بالوقائع، واستيعاب الدروس، وبناء استراتيجية وطنية موحدة تجمع بين حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال وفق القانون الدولي، وبين العمل السياسي والدبلوماسي، وتوحيد المرجعية الوطنية، وتعزيز الحضور الفلسطيني في المحافل الإقليمية والدولية.

كما أن التحولات الجارية في الإقليم، وتزايد الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، واتساع الانتقادات لسياسات حكومة الاحتلال، تمثل فرصة ينبغي استثمارها بحكمة، لا إهدارها باستمرار الانقسام أو الصراعات الداخلية. فالقضية الفلسطينية تحتاج اليوم إلى وحدة القرار أكثر من حاجتها إلى تعدد مراكز القرار.

إن انتخاب خليل الحية لن يكون حدثًا مفصليًا لمجرد أنه غيّر اسم القائد، وإنما إذا شكّل بداية لتحول في التفكير السياسي، وانتقالًا من إدارة الأزمة إلى بناء مشروع وطني جامع، يعيد الثقة للشعب الفلسطيني، ويعزز مكانة منظمة التحرير الفلسطينية بعد إصلاحها وتطويرها لتضم جميع القوى، باعتبارها الإطار الوطني الجامع والممثل الشرعي للشعب الفلسطيني.

ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه الأيام: هل ستغتنم حماس هذه اللحظة التاريخية لتفتح صفحة جديدة عنوانها المراجعة، والشراكة، ووحدة الصف، أم سيبقى التغيير محصورًا في الأشخاص، بينما يستمر النهج ذاته؟

إن الشعوب لا تصنع مستقبلها بالتمسك بالأخطاء، بل بالشجاعة في مراجعتها. والقضية الفلسطينية، بما قدمته من تضحيات جسام، تستحق من جميع قواها السياسية أن ترتقي إلى مستوى هذه التضحيات، وأن تجعل الوحدة الوطنية، وإنهاء الانقسام، وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، البوصلة التي تتقدم على كل اعتبار آخر.

د. عبد الرحيم جاموس
28/7/2026 م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com