أموال المقاصة ومعبر الكرامة: حدود سلطة الاحتلال بين الالتزامات الدولية وحقوق الشعب الفلسطيني

تحليل قانوني

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

تتداخل قضية أموال المقاصة الفلسطينية مع ملف معبر الكرامة وإجراءات الاحتلال الإسرائيلي على نحو يكشف عن إشكالية قانونية جوهرية تتعلق بحدود صلاحيات الدولة القائمة بالاحتلال، ومدى جواز استخدامها للسيطرة على الموارد الاقتصادية وحركة السكان كأدوات ضغط سياسية.

فكما أن التحكم الإسرائيلي بمعبر الكرامة وما يترتب عليه من قيود على حركة الأشخاص والبضائع يمس حقوقاً اقتصادية ومدنية مكفولة بموجب القانون الدولي، فإن احتجاز أموال المقاصة أو التحكم المنفرد في تحويلها يمثل الوجه الآخر لسياسة فرض السيطرة على مقومات الحياة الاقتصادية للشعب الفلسطيني.

والسؤال القانوني المركزي هنا هو: هل تمنح صفة الاحتلال إسرائيل حق التصرف المنفرد بأموال الإقليم المحتل أو التحكم بمصادر دخله؟ أم أن القانون الدولي يفرض عليها التزامات محددة باعتبارها قوة قائمة بالاحتلال؟

أولاً: الطبيعة القانونية للأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967

أكد المجتمع الدولي، عبر قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، أن الأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل عام 1967، بما فيها الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، هي أراضٍ محتلة تخضع لأحكام القانون الدولي الإنساني.

وقد جاء الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن الجدار عام 2004 ليؤكد أن الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 تخضع لنظام الاحتلال العسكري، وأن الاحتلال لا ينقل السيادة إلى القوة القائمة بالاحتلال.

كما أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر عام 2024 بشأن الآثار القانونية الناشئة عن سياسات وممارسات إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة لا يمكن أن يؤدي إلى اكتساب السيادة، وأن الالتزامات الناشئة عن القانون الدولي تبقى قائمة، وفي مقدمتها احترام حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

وبذلك فإن القاعدة القانونية المستقرة هي أن:

الاحتلال واقع مؤقت لا ينتج سيادة، ولا يمنح الدولة القائمة بالاحتلال حق الضم أو تغيير الوضع القانوني للإقليم أو فرض ترتيبات دائمة تخدم مصالحها السياسية.

ثانياً: التزامات القوة القائمة بالاحتلال بشأن إدارة الإقليم المحتل

ينظم القانون الدولي الإنساني صلاحيات الاحتلال، ولا سيما اتفاقية لاهاي لعام 1907 واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949.

والأصل وفق هذه القواعد أن القوة القائمة بالاحتلال لا تمارس سلطة سيادية، وإنما تقوم بمهام الإدارة المؤقتة بهدف:

ضمان النظام العام.
حماية السكان المدنيين.
المحافظة على المؤسسات القائمة.
إدارة الموارد بما يخدم مصلحة السكان المحليين.

وقد استقر الفقه والقضاء الدوليان على أن موارد الإقليم المحتل لا يجوز استخدامها لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية للدولة المحتلة، بل يجب أن توجه لمصلحة السكان الواقعين تحت الاحتلال وتحسين أوضاعهم المعيشية.

ومن هنا فإن أي أموال يتم تحصيلها من سكان الإقليم المحتل أو من نشاطهم الاقتصادي يجب أن تعود بالنفع عليهم، ولا يجوز تحويلها إلى أداة عقاب جماعي أو وسيلة ابتزاز سياسي.

ثالثاً: أموال المقاصة ليست أموالاً إسرائيلية

تثير قضية المقاصة أهمية خاصة لأن هذه الأموال نشأت في إطار بروتوكول باريس الاقتصادي لعام 1994، الذي جاء كملحق اقتصادي لاتفاق أوسلو.

وقد نظم البروتوكول آلية قيام إسرائيل بتحصيل بعض الضرائب والرسوم نيابة عن الجانب الفلسطيني، ثم تحويلها إلى السلطة الفلسطينية.

وعليه، فإن إسرائيل لا تقوم بتحصيل هذه الأموال باعتبارها مالكة لها، وإنما باعتبارها جهة تحصيل وفق ترتيب انتقالي.

ومن الناحية القانونية، فإن طبيعة هذه الأموال تجعلها أقرب إلى كونها إيرادات فلسطينية محتجزة لدى جهة تقوم بدور الوسيط الإداري، وليست مورداً إسرائيلياً يخضع للتصرف السياسي المنفرد.

وبالتالي فإن أي اقتطاع أو تجميد خارج الأطر المتفق عليها يطرح مسألة قانونية تتعلق بمخالفة مبدأ حسن النية في تنفيذ الاتفاقيات، وبمدى احترام إسرائيل لالتزاماتها كقوة قائمة بالاحتلال.

رابعاً: العلاقة القانونية بين معبر الكرامة وأموال المقاصة

إن قضية معبر الكرامة تقدم نموذجاً مهماً لفهم طبيعة المسؤولية الإسرائيلية.

فالمعبر يمثل منفذاً حيوياً لحركة الفلسطينيين والتجارة، وأي إجراءات إسرائيلية منفردة تؤثر على عمله أو حرية الحركة تنعكس مباشرة على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للسكان.

والأمر ذاته ينطبق على أموال المقاصة؛ فحجز الأموال أو التحكم بها لا يمثل مجرد إجراء مالي، بل يؤثر على:

قدرة الحكومة الفلسطينية على تقديم الخدمات العامة.
دفع الرواتب.
استمرار المؤسسات الصحية والتعليمية.
استقرار الاقتصاد الفلسطيني.

وبذلك فإن القضيتين تلتقيان عند مبدأ قانوني واحد: لا يجوز للقوة القائمة بالاحتلال استخدام أدوات السيطرة الإدارية أو الاقتصادية لإعادة تشكيل واقع سياسي أو فرض تبعية دائمة على السكان المحتلين.

خامساً: اتفاق أوسلو لا يمنح إسرائيل حق السيادة أو القرار المنفرد

من المهم التأكيد على أن اتفاق أوسلو، بما فيه بروتوكول باريس، هو اتفاق مرحلي انتقالي، ولم يكن اتفاقاً لنقل السيادة أو منح إسرائيل صلاحيات دائمة على الاقتصاد الفلسطيني.

فالمرحلة الانتقالية لا يمكن تفسيرها بما يخالف قواعد القانون الدولي الآمرة، ولا يمكن أن تتحول إلى أساس قانوني للضم أو إدامة السيطرة.

كما أن الاتفاقات السياسية لا تلغي الحقوق التي أكدها القانون الدولي، وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.

وعليه، فإن استخدام إسرائيل لأموال المقاصة كوسيلة ضغط سياسي أو ربطها بمواقف سياسية وأمنية أحادية يمثل تجاوزاً لطبيعة الاتفاق، ويحوّل ترتيبات اقتصادية مؤقتة إلى أداة هيمنة دائمة.

سادساً: المسار القضائي ومتطلبات التحرك القانوني

إن إمكانية اللجوء إلى القضاء الإسرائيلي بشأن قرارات حجز أو اقتطاع أموال المقاصة يجب أن تُدرس ضمن إطار قانوني دقيق.

فالهدف ليس الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية، وإنما مساءلة سلطة إسرائيلية عن قرار إداري صادر عنها يمس حقوقاً مالية واقتصادية.

ويجب أن يرتكز أي تحرك قانوني على مبادئ:

عدم انتقال السيادة بسبب الاحتلال.
التزام القوة القائمة بالاحتلال بالقانون الدولي الإنساني.
حماية الحقوق المالية للسكان المحتلين.
عدم جواز استخدام الموارد الاقتصادية كأداة عقاب أو ضغط سياسي.

كما ينبغي أن يبقى واضحاً أن أي لجوء للقضاء الإسرائيلي لا ينتقص من الحق الفلسطيني في اللجوء إلى المحافل الدولية، ولا يشكل قبولاً بأي تفسير يؤدي إلى الضم أو تكريس الاحتلال.

الخلاصة

إن قضية أموال المقاصة ليست قضية مالية منفصلة، بل هي جزء من معركة قانونية حول طبيعة الاحتلال وحدود صلاحيات القوة القائمة به.

فالقانون الدولي واضح في أن الاحتلال لا ينقل السيادة، وأن الدولة القائمة بالاحتلال لا تملك حق تغيير الوضع القانوني للإقليم أو استخدام موارده لخدمة أهداف سياسية خاصة بها.

وكما أن معبر الكرامة يمثل اختباراً لمدى احترام إسرائيل لحقوق الحركة والاقتصاد، فإن أموال المقاصة تمثل اختباراً لمدى احترامها للالتزامات المالية والقانونية تجاه السكان الفلسطينيين.

وعليه، فإن أي حجز أو اقتطاع لأموال المقاصة خارج الأطر القانونية المتفق عليها لا يمكن النظر إليه باعتباره قراراً مالياً مجرداً، بل باعتباره إجراءً يمس الحقوق الاقتصادية لشعب واقع تحت الاحتلال، ويتعارض مع المبادئ التي أرساها القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة وأحكام محكمة العدل الدولية التي أكدت أن الاحتلال لا يمنح السيادة، وأن حقوق الشعوب لا تسقط بفعل واقع القوة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com