قرار السلطة الفلسطينية يضع مرضى قطاع غزة بين فرصة تصحيح المسار، وإغراء الحلول الموازية.. نضال احمد جابر جودة

تقف الإدارة العامة للمستشفيات في قطاع غزة اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. فإما أن تنظر إلى القرار الأخير للسلطة الفلسطينية باعتباره فرصة لإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، وإعادة الاعتبار للمنظومة الإدارية التي أدارت ملف العلاج بالخارج لعقود، وإما أن تتعامل معه باعتباره طوق نجاة يسمح باستمرار الواقع القائم بكل ما يحمله من تداخل في الصلاحيات وتعدد في المرجعيات.
إن هذا القرار لا يتعلق فقط بتحمل النفقات المالية للمرضى الموجودين في جمهورية مصر العربية، بل يفتح الباب أمام مراجعة شاملة لآلية إدارة ملف التحويلات العلاجية بأكمله. فالأزمات لا تُدار بالحلول الموازية، ولا بتعدد اللجان، وإنما بعودة كل مؤسسة إلى اختصاصها الأصيل، واحترام التسلسل الإداري، وتوحيد مرجعية القرار. أما الإبقاء على النموذج الحالي فلن يؤدي إلا إلى استمرار تضخم قوائم الانتظار، بينما تبقى فرصة العلاج متاحة فقط لمن استطاع الخروج من قطاع غزة، في حين يستمر آلاف المرضى داخل القطاع في انتظار دورهم.
لطالما ناقشنا أن أزمة المرضى المحولين للعلاج خارج قطاع غزة لم تكن في جوهرها أزمة نقص في الموارد أو غياب التمويل، وإنما أزمة إدارة وتشغيل، نتج عنها تهميش دور دائرة العلاج بالخارج ودائرة تنسيق وارتباط المرضى، وهما الجهتان اللتان تحملتا تاريخياً المسؤولية القانونية والإدارية عن هذا الملف منذ نشأة السلطة الفلسطينية وحتى السابع من أكتوبر 2023.
ومع تهميش هاتين الدائرتين، برزت بدائل موازية لإدارة الملف، كان من أبرزها اللجنة الطبية البديلة التي تعقد اجتماعاتها في مجمع ناصر الطبي، إلى جانب الأدوار التشغيلية التي اضطلعت بها منظمة الصحة العالمية وشركاء آخرون. ورغم أهمية أي جهد يبذل للتخفيف من معاناة المرضى، فإن هذه الحلول المؤقتة لم تستطع أن تحل محل المؤسسة صاحبة الاختصاص، بل أوجدت حالة من تداخل الصلاحيات وغياب المرجعية الإدارية الواحدة.
ومن أبرز مظاهر هذا الخلل الخلط بين النموذج الطبي رقم (1) والتغطية المالية. فالنموذج الطبي ليس سوى توصية طبية صادرة عن اللجنة المختصة، تثبت حاجة المريض إلى العلاج خارج الإمكانات المتوفرة، أما التغطية المالية فهي قرار إداري ومالي تصدره دائرة العلاج بالخارج وفق الأنظمة والإجراءات المعمول بها. والخلط بين هذين المفهومين أدى إلى اختزال ملف العلاج بالخارج في إجراء واحد، بينما هو في الحقيقة منظومة متكاملة من الإجراءات الطبية والإدارية والمالية.
كما أن دور دائرة العلاج بالخارج لم يكن يوماً مقتصراً على إصدار التغطية المالية، بل يمتد إلى إدارة ملف المريض منذ لحظة اعتماد تحويله وحتى انتهاء رحلته العلاجية، بما يشمل متابعة علاجه في الدولة المستضيفة، وتسوية الالتزامات المالية مع المستشفيات، والتنسيق مع الجهات الصحية والسفارات، وضمان استمرارية الرعاية الصحية. وهذا الدور ظل قائماً لعقود، وشكل أحد أهم أركان المنظومة الصحية الفلسطينية.
ومن هنا تكتسب الخطوة الأخيرة التي أعلنتها السلطة الفلسطينية أهمية استثنائية، بعدما تحملت المسؤولية المالية المباشرة عن جميع المرضى الموجودين في جمهورية مصر العربية، سواء كانوا قد غادروا قطاع غزة للعلاج أو كانوا مقيمين فيها. فالقرار لا يمثل مجرد التزام مالي، وإنما يحمل دلالة مؤسسية تؤكد أن ملف العلاج بالخارج ما زال مسؤولية أصيلة لوزارة الصحة الفلسطينية ودائرة العلاج بالخارج.
ويكتسب هذا القرار أهمية أكبر إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن عدداً من الدول، رغم إمكاناتها الاقتصادية الكبيرة، لم تستقبل العديد من مرضى الأورام والفشل الكلوي وأمراض الكبد بسبب الكلفة العالية وطبيعة العلاج طويل الأمد. وفي المقابل، تحملت وزارة الصحة الفلسطينية، عبر دائرة العلاج بالخارج، هذه المسؤولية على مدار سنوات طويلة، رغم محدودية الإمكانات والموارد.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن تطرحه الإدارة العامة للمستشفيات في قطاع غزة على نفسها اليوم: هل تمثل هذه الخطوة بداية حقيقية لإعادة بناء منظومة التحويلات العلاجية على أسس مؤسسية واضحة، وإعادة الاعتبار لدائرة العلاج بالخارج ودائرة تنسيق وارتباط المرضى؟ أم أنها ستتعامل معها باعتبارها مجرد متنفس مؤقت يسمح باستمرار الحلول الموازية، وتأجيل معالجة جذور الأزمة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل إدارة ملف العلاج بالخارج، بل ستحدد أيضاً مصير آلاف المرضى الذين ما زالوا ينتظرون فرصة للعلاج. فإعادة بناء المؤسسات ليست ترفاً إدارياً، بل ضرورة إنسانية ووطنية، لأن المريض لا يحتاج إلى تعدد اللجان، وإنما يحتاج إلى منظومة واضحة، ذات مرجعية واحدة، تعمل بكفاءة، وتضع حقه في العلاج فوق كل اعتبار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com