المطران عطاالله حنا: نحن في زمن نحتاج فيه إلى مزيد من الوعي والحكمة والرصانة في مواجهة المخططات الهادفة إلى إثارة الفتن في مجتمعنا.

إن مسألة السلم الأهلي في الأراضي الفلسطينية هي مسألة في غاية الأهمية والحيوية والضرورة، لأن أي خلل في هذه المسألة الداخلية قد يؤدي إلى تداعيات سلبية قد يستثمرها الاحتلال خدمة لسياساته وممارساته وأجنداته.
هنالك دور كبير يجب أن تقوم به الأجهزة الأمنية الفلسطينية وكافة المسؤولين الفلسطينيين، ولكن المسؤولية الأساسية والأهم تقع على عاتق الشخصيات الدينية والروحية، التي يجب أن تسعى إلى تكريس ثقافة ملؤها المحبة والأخوة والإنسانية واحترام الآخر ورفض أي خطاب طائفي مقيت.
الفلسطينيون اليوم، وفي ظل الأوضاع التي يعيشونها، مطالبون بالحفاظ على جبهتهم الداخلية ووضعهم الداخلي، لكي يكون قويًا ومتماسكًا، بعيدًا عن الفتن وخطاب الكراهية والعنصرية التي نلفظها و نرفضها جميعًا.
وفي ظل الأوضاع الراهنة، وحالة الفقر والعوز والبطالة، نلحظ ظاهرة خطيرة تتمثل في التحريض الطائفي والإساءة إلى الرموز الدينية.
لم تكن فلسطين عبر تاريخها المجيد بيئة ملائمة للفتن أو خطاب الطائفية والتشرذم، فالفلسطينيون كانوا دومًا موحدين، مسيحيين ومسلمين، ودافعوا معًا عن وطنهم وقضيتهم العادلة. ولكن اليوم، وفي ظل الأوضاع الراهنة التي يعيشها الفلسطينيون، برزت بعض المظاهر السلبية التي تحتاج إلى معالجة تربوية بالدرجة الأولى، لأنني أؤمن بأن التربية والتعليم هما الأساس، دون أن ننكر أهمية المؤسسة الأمنية والشرطية.
إن منابر دور العبادة يجب أن تُسخَّر لنشر القيم الإيمانية والدينية التي تحث على الرحمة والإنسانية والمحبة واحترام الآخر، حتى وإن كان مختلفًا في دينه أو معتقده.
الفلسطينيون أقوياء بوحدتهم وتآخيهم ووعيهم، وقدرتهم على التمييز بين الصالح والطالح، وبين الحق والباطل. والفلسطينيون أقوياء بمحبتهم لبعضهم البعض، وتآخيهم في السراء والضراء، واحترامهم للرموز الدينية.
ليس صدفةً أنه عندما يخرج شخص ما ليشتم رمزًا دينيًا معينًا، ينتشر ذلك الفيديو انتشار النار في الهشيم، وكأن هنالك من يريدون أن يجعلوا الفلسطيني غارقًا في ثقافة ليست من ثقافته، وفي أدبيات ليست من أدبياته، وفي فكر طائفي تحريضي يسيء إلى الأديان ورموزها، وهي رموز يجب أن تُحترم.
واليوم، ومع وسائل التواصل الاجتماعي، نلحظ اتساعًا في رقعة التحريض الطائفي، والمشكلة أن من يحرضون على الطائفية يظنون أنهم بهذه الطريقة يدافعون عن دينهم ومعتقدهم.
يحق لكل إنسان أن يدافع عن دينه أو معتقده، دون أن يسيء إلى الآخر أو يحرض عليه، فهو شريكه في الانتماء الإنساني والوطني.
التدين شيء، والتطرف شيء آخر. فنحن مع التدين الذي يهذب الأخلاق ويصوب مسيرة الإنسان، ولكننا نرفض التطرف الأعمى، لأنه يشوه قيم الإيمان، ويمكن أن يكون سببًا في تكريس الانقسامات والضغينة والكراهية والعنصرية في مجتمع هو بأمس الحاجة إلى الوحدة والأخوة والتضامن.
من يشتم الرموز الدينية في أي ديانة لا يمثل الديانة التي ينتمي إليها، ولا يمثل أي قيمة إنسانية أو روحية نبيلة.
الله محبة، هذا ما يقوله لنا كتابنا الإلهي، وعندما تغيب المحبة تغيب الإنسانية، ويتم تشويه الدين، إذ إن هنالك من يريدون للدين أن يكون على مقاسهم ووفق أجنداتهم وأهوائهم.
أرضنا هي أرض مقدسة، وفيها كنيسة القيامة، والمسجد الأقصى، وكنيسة المهد، وغيرها من المقدسات.
أرضنا لها خصوصية تنفرد بها، ففي القدس أو في بيت لحم يمكن أن تسمع أجراس الكنائس وتكبيرات المساجد في الوقت نفسه، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أننا نعيش معًا، ونعبد إلهًا واحدًا، وإن تعددت أنماط العبادة، فنحن نؤمن بإله واحد خالق السماء والأرض.
يزعجني كثيرًا أي تطاول على الرموز الدينية، أو شتم لأشخاص بناءً على انتمائهم الديني، لأنني أرى أن هذا لا ينسجم مع أي قيمة إنسانية أو روحية أو أخلاقية نبيلة.
أقول للفلسطينيين جميعًا، مسيحيين ومسلمين: أحبوا بعضكم بعضًا، لأن المحبة فيما بينكم هي مصدر قوتكم.
وأقول للمسيحيين في هذه الديار، وهم أصبحوا قلة في عددهم ولكنهم ليسوا أقلية، إن إيماننا يعلمنا الرحمة والإنسانية والصدق والاستقامة. وإن قيم التسامح في المسيحية ليست ضعفًا ولا رضوخًا للشرور، بل هي قيمة عظيمة يجب أن نتمسك بها وأن ننادي بها دومًا.
إن من يشتم ويستعمل ألفاظًا نابية لا يسيء إلى غيره، بل يسيء إلى نفسه، ونتمنى لهؤلاء الضالين أن يعودوا إلى رشدهم وإنسانيتهم، لكي يكتشفوا أن المحبة يجب أن تكون دستورًا لحياتنا، كما ويجب أن يكون احترام الآخرين قائمًا حتى وإن كان هنالك  اختلاف في المعتقد أو المذهب.
أقول للفلسطينيين جميعًا إن فلسطين تنزف دمًا، وأرضها وشعبها يتعرضان للمؤامرات من كل حدب وصوب، فكونوا، أيها الفلسطينيون، على قدر كبير من الوعي في مواجهة التحديات والمؤامرات.
نحن في زمن نحتاج فيه إلى الوعي والحكمة والرصانة والوطنية الحقة، في زمن يراد فيه للفلسطيني أن يكون تائهًا وضائعًا وغارقًا في ثقافة الاستسلام والهزيمة والتشرذم والتفكك.
المسيحيون والمسلمون في هذه الديار هم إخوة، هكذا كانوا وهكذا سيبقون، ولن تنال من وحدتهم الاصوات النشاز. ويجب أن تُواجه هذه الأصوات ليس فقط من خلال ما تقوم به الأجهزة الأمنية، بل أيضًا من خلال التوعية والتربية التي تبدأ من البيت، مرورًا بدور العبادة، وصولًا إلى المؤسسات التعليمية بكافة مستوياتها.
موقفنا واضح؛ نرفض العنصرية بكافة أشكالها وألوانها، ونرفض الكراهية والتطاول على الرموز الدينية، وندعو إلى الوحدة الوطنية والتعاضد والتآخي بين مكونات شعبنا.
معًا وسويًا نكرس ثقافة الأخوة والمحبة بين كافة مكونات شعبنا، ومعًا وسويًا نلفظ ونرفض ونفشل كافة المخططات المعادية الهادفة إلى الاصطياد في المياه العكرة، ورش الزيت على النار، خدمةً للأعداء والمتآمرين على شعبنا وقضيته العادلة.

المطران عطاالله حنا

رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس
القدس، 31 تموز 2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com