من الإغاثة إلى التنمية المستدامة لإعادة بناء  قطاع غزة.. د. سلامه أبو زعيتر

تمرُّ المجتمعات الإنسانية عقب الكوارث والأزمات الطاحنة بمفارق طرق مفصلية، تُحتّم عليها الاختيار بين الارتهان لاستجابات إغاثية مؤقتة، أو الانطلاق نحو مسارات تعافٍ شاملة تعيد بناء النسيج الاجتماعي والمؤسسي، وفي الواقع الفلسطيني الفريد، ولا سيما في قطاع غزة الذي تعرض لدمار غير مسبوق في بنيته التحتية العمرانية والاجتماعية والاقتصادية، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً لإعادة تعريف مفهوم استعادة الحياة.

وإن كانت تداعيات الحرب المؤلمة، وحجم النزوح والكسر الذي يكابده مجتمعنا المكلوم، لم تثنِ أهالي غزة عن التمسك الصلب بالحياة والأمل في غدٍ أفضل، ولأن حجم التضحيات الوطنية يتطلب تدخلات تتجاوز الحلول الترقيعية؛ فإن نقطة البداية تكمن في صياغة رؤية متكاملة تزاوج بين نجاعة التدخلات الطارئة واستدامة بناء الإنسان والمؤسسات.

وتثبت التجربة التاريخية في إدارة الكوارث أن الاعتماد على مسار خطي متعاقب؛ كالرهان على تأجيل التنمية لحين الانتهاء التام من الإغاثة، أو ربط تقديم الخدمات بالتوافقات السياسية المعقدة هو نموذج أثبت فشله؛ إذ يكرّس الشلل المؤسسي، وينهك الشارع بالانتظار، ويهدد ثبات الجبهة الداخلية، وبدلاً من ذلك، فإن التزامن المباشر والعمل المتوازي بين المسار الخدمي السريع، وتمكين المجتمع المدني، وتوفير البيئة الإدارية المستقرة، يمثل الشرط المحوري للخروج من حالة الضبابية وتحديد بوصلة العمل الإداري والإغاثي.

ولكي يستشعر المواطن تغييراً ملموساً يبعث على الأمل، يجب إرساء إشارات تعافٍ عاجلة بعيدة عن التعقيدات البيروقراطية، تتركز في الإسراع باستعادة أولويات حياتيه مثل شبكات المياه العذبة، واعتماد شبكات الطاقة الشمسية المؤقتة للخدمات الأساسية، وتأهيل المراكز الصحية الأولية وغيرها من الإصلاحات في البنية التحتية، يرافق ذلك اعتماد بدائل تعليمية استثنائية مدمجة وميدانية تضمن استيعاب الطلبة وتمنع ضياع الأجيال، إلى جانب تفعيل وتوسيع برامج النقد مقابل العمل لإشراك الشباب والمهنيين في إزالة الأنقاض والترميم الخفيف، وتكتمل هذه الخطوات بالحرص على اعتماد الشراء المحلي لإمدادات الإغاثة والصيانة؛ لضخ السيولة في السوق الداخلي وتنشيط المشاريع الصغيرة والتجار المتضررين ضمن دورة تعافٍ اقتصادية متكاملة.

ولضمان ألا تضيع هذه الجهود في عشوائية التوزيع، أو تكرار الخدمة، وتهميش الفئات الأكثر احتياجاً، يبرز أهمية تأسيس منظومة رقمية مركزية موحدة كعمود فقري للإصلاح المؤسسي، وتعتمد هذه المنظومة على إنشاء سجل رقمي موحد لكل أسرة مرتبط برقم الهوية الوطنية، تُسجّل فيه كافة التدخلات الإغاثية والتشغيلية والصحية لحظياً، مع منح صلاحيات وصول آمنة ومدروسة للمؤسسات الأهلية والرسمية لتحديث البيانات منعاً للازدواجية، كما يتطلب كمال حوكمتها تطبيق أعلى معايير تشفير البيانات وضوابط الاطلاع المحمية لضمان خصوصية المواطنين، إضافة إلى نشر مؤشرات إحصائية مجمعة تعكس نسب التغطية والتوزيع الجغرافي، وتوفير قناة استعلام وشكاوى مستقلة تضمن حق المواطن في الاعتراض ومراجعة ملفه بكرامة وشفافية مطلقة.

إن تجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع يضع “لجنة التكنوقراط المكلفة بإدارة قطاع غزة” وكافة صناع القرار أمام مسؤولية تاريخية تتطلب مغادرة مربع الإدارة التقليدية إلى مربع الحوكمة الشجاعة والمستقلة، ويبدأ ذلك بتأسيس هيئة حوكمة مستقلة للبيانات تضم كفاءات ممثلة عن المجتمع المدني، والخبراء التقنيين المستقلين، والجهات الأممية، بالإضافة إلى الجهات الرسمية للتعاون في الإشراف على المنظومة الرقمية الموحدة وضمان حياديتها بعيداً عن التجاذبات السياسية.

كما يقتضي الأمر إنهاء كافة الأعباء والهياكل التي فرضتها المؤسسات المعطلة والنهج الفئوي، والقطع الكامل مع ممارسات المنتفعين واللصوص والفاشلين الذين أثبتت التجربة العميقة عجزهم وعدم مقدرتهم على إدارة الأزمات، والتأسيس لمرحلة جديدة قائمة على الاعتماد المطلق على الكفاءات والمهارات الوطنية الحقيقية، وإحداث تغيير ملموس وجوهري يصب مباشرة في صالحهم وفي خدمة المواطن.

ويكتمل هذا التغيير بالانتقال التدريجي بالتمويل من طابعه الإغاثي الطارئ نحو دعم المشاريع الصغيرة والإنتاجية التي تعيد بناء القدرات الذاتية للمجتمع، مع فتح المجال واسعاً أمام العقول والشابة الماهرة لإدارة الملفات الميدانية والتنفيذية بروح جديدة، وإن نجاح إدارة هذه المرحلة الراهنة لا يُقاس بحجم المساعدات التي يتم استلامها، بل بقدرتنا على بناء منظومة حكومية ومجتمعية عادلة، شفافة، قاطعة مع الفساد والفئوية، وقادرة على تحويل محنة غزة إلى فرصة حقيقية للنهوض والتنمية المستدامة.

الخلاصة: إن النهوض بقطاع غزة وإعادة إعطائه الحياة يتطلب الإيمان والتطبيق المباشر لمقاربة عمل موازية، تزاوج بين الإغاثة السريعة المنظمة رقمياً والتنمية التراكمية المستدامة، ولا يمكن لهذه المقاربة أن تنجح إلا بإنهاء الارتهان للبيروقراطية والفئوية والفساد، والاعتماد الجاد والمطلق على الكفاءات والخبرات الوطنية الشابة لإدارة الميدان بشفافية وعدالة، لتحويل تضحيات أهلنا وصمودهم العظيم من مجرد إدارة للمحنة إلى محرك حقيقي للتغيير والتعافي الكامل.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com