غزة خارج الخزان.. بقلم : شهد إبراهيم الشرفا

تطل غزة اليوم من نوافذ الشاشات وخلف كواليس السياسة المتخثرة، كأنها لوحة ميتةٌ من ركامٍ لا ينتهي؛ مشهدٌ مشبعٌ بالرماد، ووجوهٌ متعبةٌ يغسلها الغبار، وجداولُ أرقامٍ صماء تُلقى في نشرات الأخبار ليتلوها العالم كصكِّ غفرانٍ يريح به ضميره المسترخي، من يتأمل المشهد عن بُعدٍ قد يتوهم أن الفصول انتهت، وأن الحكاية أُغلقت فوق طاولة تشريحٍ باردةٍ، بانتظار إعلان الوفاة.
لكن ثمة نبضًا خفيًّا يصدم هذا المنطق البليد ، ثمة تفصيلٌ أزليٌّ يفلت من حسابات البغاة وموازين القوى؛إذ إنّ غزة ترفض أن ترتدي ثوب الضحية المستسلمة، وترفض أن تُدفن في كفن الأرقام هذه المرة، وبشكل حاسمٍ انشق الصمت وخرج الرجال من جوف الخزان! لم يكن هذا الخروج مناورةً سياسيةً أو مغامرةً عابرةً بل كان زلزالاً وجودياً لا مفر منه، لم يغادروا عتمة الصهريج لأن الفضاء الخارجي آمنٌ، بل لأن البقاء في جوفه صار يمثل ذروة الفجيعة؛ موتٌ أخرسُ، بلا صوتٍ ولا أثرٍ، يرتضي فيه السجين أن يختنق ببطءٍ وأدبٍ كي لا يزعج طمأنينة العالم بطرقاته على الجدران، لقد أدركت غزة بعد طول ليلٍ أنَّ جدران ذلك الخزان لم تكن درعاً تحميها بل كانت جداراً عازلاً يواري عذابها عن الوعي البشري.
إن تشبث غزة بالحياة الآن ليس ترفًا مجازيًّا، ولا ركوضًا خلف سراب الوعود بل هو التمرد الأخير والأسمى على عتمة الصندوق المطبق، فالأمل في غزة لا يعني انتظار معجزةٍ تهبط من السماء، بل هو الصرخة الحية التي تدين تواطؤ هذا العالم الذي يرغب في تحويلنا إلى مجرد أرقامٍ باردةٍ؛ إنه الإصرار الموجع على الانعتاق من أسر السرديات المعلبة، والوقوف بقوةٍ تحت عين الشمس أحياءً نُحاكم بصخب وجودنا المتجذر صمتَ هذا الكون المريب ما استطعنا إلى ذلك سبيلا ، وأن هذه الأرض التي تعبت كثيرًا تستحق أن تستريح.



