بين تراجع التصعيد مع إيران واستمرار الحرب على غزة ، أي شرق أوسط تريده واشنطن؟.. د. مروان إميل طوباسي

في الوقت الذي أعلن فيه دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق مع الفصائل الفلسطينية لوقف الحرب في قطاع غزة والانتقال إلى ترتيبات المرحلة المقبلة او الثانية ، كانت الطائرات الإسرائيلية تواصل قصف القطاع ، ويسقط المزيد من الشهداء ، فيما كانت واشنطن تتراجع عن خيار توجيه ضربات عسكرية جديدة ضد إيران ، مفضلة منح المسار السياسي فرصة إضافية امام التهديدات الايرانية .
قد تبدو هذه التطورات متناقضة ، لكنها في الحقيقة تعكس جوهر المرحلة التي يعيشها الشرق الأوسط اليوم . فالمسألة لم تعد تتعلق بالحرب على غزة وحدها كما ولبنان ، ولا بالمواجهة مع إيران وحدها ، وإنما بالمشروع الذي تعمل الولايات المتحدة على إنجازه في المنطقة ، وبمدى قدرة حكومة نتنياهو على التكيف معه أو تعطيله .
فالولايات المتحدة لا تزال تعتبر إسرائيل حليفها الإستراتيجي الأول ، ولم يتغير هذا الثابت رغم المتغيرات الجارية بالولايات المتحدة بالرأي العام وباوساط الحزبين . لكنها ، في المقابل ، تدرك أن حرباً إقليمية مفتوحة لن تخدم مصالحها في هذه المرحلة ، بل ستقوض خططها لإعادة ترتيب المنطقة ، وستهدد أمن الممرات البحرية واستقرار أسواق الطاقة ومسارات التطبيع خاصة بما تسعى له في شأن الموقف السعودي ، كما ستؤخر تفرغها لأولوياتها العالمية في مواجهة الصين وروسيا .
أما حكومة نتنياهو ، فتقرأ المشهد بصورة مختلفة ، فهي ترى أن ما يجري بعد السابع من أكتوبر تحت مبرر “الدفاع عن النفس” وفر لها فرصة غير مسبوقة لإعادة رسم الواقع الفلسطيني بالقوة لتنفيذ خطة الحسم المبكر ، سواء في قطاع غزة أو في الضفة الغربية التي لم يتوقف التخطيط لها منذ زمن جريمة النكبة الأولى ، وتسعى إلى استثمار كل يوم إضافي من الحرب لإستكمال مشروعها القائم على الضم والتوسع الأستيطاني وجرائم نكبات جديدة لاعادة تعريف القضية الفلسطينية ، وتحويلها من قضية تحرر وطني إلى قضية إدارة سكان تحت الأحتلال دون حقوق سياسية يتقدمها حق تقرير المصير .
ولهذا ، فإن استمرار عمليات الأحتلال في غزة ، رغم الحديث عن اتفاقات ووقف لإطلاق النار ، لا يبدو مجرد خلاف على توقيت الهدنة ، بل يعكس اختلافاً في إدارة المرحلة . فواشنطن تريد الانتقال إلى ترتيبات إقليمية جديدة ، بينما يعتقد اليمين العقائدي الإسرائيلي الأستيطاني أن الوقت ما زال يسمح بفرض وقائع يصعب التراجع عنها لاحقاً خاصة مع اقتراب الإنتخابات ، مستفيداً بالوقت نفسه من غياب معارضة حزبية اسرائيلية لذلك .
ولا يعني ذلك وجود خلاف استراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل ، فالأهداف الكبرى ما زالت مشتركة ، وفي مقدمتها الحفاظ على التفوق الإسرائيلي وإعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يخدم المصالح الأمريكية واستراتيجية أمنها القومي . لكن ما يبدو واضحاً هو أن هناك اختلافاً في ترتيب الأولويات وفي إدارة الزمن السياسي ، وهو اختلاف قد يزداد وضوحاً كلما اقتربت المنطقة من ترتيبات ما بعد الحرب .
إن التراجع الأمريكي عن توسيع المواجهة مع إيران يحمل دلالة سياسية مهمة ، فهو يؤكد أن واشنطن ، رغم خطابها الحاد وتهديدات ترامب ، تدرك حدود القوة العسكرية عندما تصبح كلفة استخدامها أكبر من مكاسبها . فيصبح السؤال ، إذا كانت هذه القناعة تنطبق على إيران ، فلماذا لا تنطبق على غزة ، حيث أثبتت شهور طويلة بل سنوات من الحرب أن القوة العسكرية لم تحقق أهدافها السياسية ، بل عمقت المأساة الإنسانية لمليوني انسان من ابناء شعبنا ، ووسعت عزلة إسرائيل ، وأعادت القضية الفلسطينية إلى واجهة الإهتمام الدولي ؟
لقد اشرت في مقالات سابقة من أن ما يسمى بـ”اليوم التالي” في غزة ليس مجرد ترتيبات إنسانية أو إدارية قد لا تتوقف عند حدود قطاع غزة ، بل جزء من رؤية أشمل لإعادة تشكيل الشرق الأوسط ، وإعادة تعريف وظيفة السلطة الفلسطينية مع تغييب دور منظمة التحرير وارهاق وتفتيت مكونات الحركة الوطنية بما فيها “فتح” كحركة تحرر ، وربط مستقبل غزة والضفة الغربية بترتيبات أمنية وسياسية تتجاوز جوهر القضية الفلسطينية وحقوق شعبنا الوطنية .
واليوم ، تؤكد التطورات أن الصراع لم يعد يدور فقط حول وقف الحرب ، بل حول طبيعة النظام الإقليمي الذي يراد بناؤه ، والمكان والشكل الذي يراد لفلسطين أن تحتله فيه ، من خلال البدء بتنفيذ البنود ال ١٥ لوثيقة ما يسمى بمجلس السلام في قطاع غزة على حساب الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني بما ينتقص من جوهر السيادة الوطنية تحت مبررات إنسانية اغاثية ، دون ان يخدم تنفيذ وقف الكارثة والمعاناة ويمنع الحفاظ في ذات الوقت على وحدة الأرض والشعب والقضية الوطنية .
لكن ، وفي مقابل هذا كله ، يبقى سؤال الواقع الفلسطيني هو الأهم ، فالتجربة أثبتت أن التحولات الدولية ، مهما كانت عميقة ، لا تتحول تلقائياً إلى إنجازات وطنية لنا . وإذا كانت واشنطن تعيد ترتيب أولوياتها ، وكانت إسرائيل تسابق الزمن لفرض الوقائع الإستعمارية الإحلالية على الأرض ، فإن مسؤوليتنا الوطنية تقتضي أن نعيد نحن أيضاً ترتيب أولوياتنا ، وأن نستعيد مضمون المشروع الوطني التحرري بمنع تفكيكه أولاً ، وتوحيد مؤسساتنا ومرجعياتنا التمثيلية عبر الديمقراطية الأنتخابية ومعالجة ازمة نظامنا السياسي وتمكين شعبنا من البقاء بتأمين مقومات الصمود وحتى لمتطلبات المعيشة اليومية ، وبأمتلاك ارادة ورؤية سياسية قادرة على التعامل مع المتغيرات لا الأكتفاء بانتظار نتائجها .
إن ما يجري اليوم قد لا يكون نهاية الحرب ، لكنه قد يكون بداية مرحلة جديدة في الشرق الأوسط . والسؤال الذي سيحدد مستقبل فلسطين ليس فقط ، ماذا ستفعل واشنطن أو ماذا سيقرر نتنياهو ؟ بل ، هل نملك نحن رؤية لحماية مشروعنا الوطني التحرري قادرة على منع تحويل هذه المرحلة إلى محطة جديدة في مسار تصفية القضية الفلسطينية ، أم سنكتفي مرة أخرى بمتابعة التحولات من موقع المتلقي لا الفاعل ؟
* عضو المجلس الأستشاري لحركة “فتح” .



