خان يونس بين العطش والركام.. م. عصام أبو دقة

أكتب هذه الكلمات كمواطن يعرف واقع خان يونس من الداخل، لا من خلال الأرقام والتقارير فقط، بل من خلال ما يعيشه الناس يوميًا.
في هذه المدينة، لم يعد الإنسان يستيقظ بحثًا عن عمل أو لقضاء حاجاته المعتادة، بل بحثًا عن الماء. نعرف شعور الأب وهو يرى أبناءه عطشى، والأم وهي تحاول تدبير شؤون أسرتها بمياه شحيحة قد لا تكون صالحة للاستخدام. ونعرف الخوف حين تختلط مياه الأمطار بالصرف الصحي فتغمر الخيام ومراكز النزوح وتحاصر العائلات من كل جانب.
لم تعد المعاناة في خان يونس مرتبطة بغياب الراحة، بل بغياب أبسط مقومات الحياة. فالسير في بعض المناطق يعني المرور بين الركام والنفايات والمياه العادمة، فيما تتحول الروائح والحشرات إلى خطر صحي يهدد الأطفال وكبار السن والمرضى، مع انتشار الأمراض وصعوبة الوصول إلى الدواء والعلاج.
ويعيش في خان يونس ومحيطها مئات الآلاف من المواطنين والنازحين، يتكدس كثير منهم في مناطق ضيقة، خاصة في المواصي والمناطق الغربية. هناك عائلات تقيم في خيام لا تقيها حر الصيف ولا برد الشتاء، وأخرى تعيش داخل بيوت متضررة أو مراكز إيواء مكتظة.
أصبح الماء سلعة نادرة ومكلفة. تنتظر عائلات ساعات طويلة للحصول على كمية محدودة، بينما تضطر أخرى إلى شرائه بأسعار تفوق قدرتها. أما الصرف الصحي، فقد تحول في كثير من المناطق إلى تهديد يومي بسبب تدمير الشبكات وتعطل المضخات وتجمع المياه العادمة قرب الخيام والمنازل.
هذا الواقع القاسي لا يعيشه المواطن وحده، بل تعيشه أيضًا بلدية خان يونس. فقد تعرضت مرافقها وشبكاتها وآلياتها لأضرار واسعة، فيما يعمل ما تبقى منها تحت ضغط هائل ونقص حاد في الوقود وقطع الغيار والإمكانات.
ورغم ذلك، يواصل موظفو البلدية وعمالها أداء واجبهم. كثير منهم نازحون أو فقدوا منازلهم وأقاربهم، لكنهم ما زالوا يحاولون إصلاح خطوط المياه، وتشغيل الآبار المتبقية، وفتح الطرق المغلقة، وجمع النفايات، والحد من طفح الصرف الصحي.
قد تبدو هذه الجهود محدودة أمام حجم الكارثة، لكنها تمثل فارقًا حقيقيًا في حياة الناس. فوصول المياه إلى حي واحد قد يخفف معاناة عشرات العائلات، وفتح شارع قد ينقذ حياة مريض، وإزالة النفايات من جوار مركز إيواء قد تحمي الأطفال من المرض.
ومن حق المواطن أن يشتكي وأن يطالب بخدمات أفضل، كما من واجب البلدية أن تكون قريبة من الناس، وأن تتواصل معهم بوضوح وعدالة، وتشرح إمكاناتها وحدود قدرتها. لكن الإنصاف يقتضي أيضًا إدراك أن العاملين فيها يعيشون الظروف نفسها التي يعيشها المواطنون.
إن استمرار الخدمات، ولو في حدها الأدنى، يمنح الناس شعورًا بأن المدينة لم تُترك لمصيرها، وأن الحياة ما زالت ممكنة وسط الدمار. فالصمود ليس شعارًا يُرفع، بل ماء يصل إلى البيوت، وطريق يُفتح، ونفايات تُرفع، ومضخة تعود إلى العمل.
ومع ذلك، لا تستطيع بلدية خان يونس ولا بقية بلديات غزة مواصلة هذا الدور وحدها. فهي بحاجة إلى دعم عاجل ومستدام من المؤسسات المحلية والدولية، يشمل الوقود والآليات والمعدات ومواد الصيانة.
المواطن في خان يونس لا يطلب معجزات، بل الحد الأدنى من الحياة الكريمة. وبين معاناة الناس وجهود البلدية، تبقى المسؤولية مشتركة لحماية ما تبقى من المدينة ومنع انهيار ما تبقى من الحياة فيها. فالصمود هنا ليس كلمة تُقال، بل معركة يومية من أجل الماء والصحة والكرامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com