غزة تودع 112 شهيدًا في واحدة من أكبر الجنازات خلال الحرب

غزة-البياادر السياسي ـ لم يكن محمود الحساينة يتوقع أن يعود إلى المكان الذي كان يضم منزله وعائلته ليودعهم بعد أكثر من ألف يوم.
وقف أمام عشرات الأكفان البيضاء، يبحث بينها عن بقايا ابنه وأحفاده وأشقائه وأقاربه، بعدما ظلوا طوال عامين ونصف العام تحت أنقاض مربع سكني سوّي بالأرض في واحدة من أكثر المجازر دموية في مدينة غزة.
في الثاني والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني 2023، تعرض مربع سكني كامل لعائلتي أبو شريعة والحساينة لقصف عنيف بأحزمة نارية، أدى إلى تدمير عشرات المنازل واختفاء معالم المنطقة بالكامل تحت الركام. ومنذ ذلك اليوم، بقيت جثامين الضحايا مدفونة تحت الأنقاض، بعدما حالت الظروف الميدانية ومنع الوصول إلى المنطقة دون انتشالها.
بين الأكفان، لم يستطع محمود الحساينة حبس دموعه؛ يقول في مقابلة لمعا إن ابنه استشهد مع زوجته وأطفاله داخل منزل خاله، كما فقد شقيقه وأبناءه وزوجته، وشقيقتيه وأطفالهما، وأخواله وأبناءهم وأصهاره وعددًا كبيرًا من أفراد عائلته. ويؤكد أن مراسم التشييع لم تكن نهاية المأساة، بل بداية جرح جديد أعاد إليه تفاصيل الفقد كلها، بعد انتظار امتد لألف يوم، مطالبًا العالم بوقف نزيف الدم المستمر في غزة وإنصاف الضحايا.
ووفق الدفاع المدني في غزة، فإن المجزرة أسفرت عن استشهاد 308 فلسطينيين، بينهم 44 طفلًا، و37 امرأة، وأكثر من عشرة من ذوي الإعاقة والمرضى، بينما بقيت جثامينهم تحت الأنقاض طوال هذه الفترة.
الناطق باسم الدفاع المدني، محمود بصل، وصف ما جرى بأنه جريمة متكاملة الأركان، موضحًا أن الطواقم لم تتمكن من بدء عمليات الانتشال إلا في الرابع عشر من يوليو/تموز الماضي، بعد تنسيق طويل مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وباستخدام حفار واحد فقط. واستمرت العمليات سبعة عشر يومًا لتنتهي في الأول من أغسطس/آب 2026، بانتشال 112 شهيدًا فقط، أي ما يقارب ثلث الضحايا.
ويشير بصل إلى أن الطواقم لم تعثر على بقية الجثامين، نتيجة شدة القصف الذي أدى إلى تناثر الأشلاء واختفاء أجزاء كبيرة من الرفات، ما جعل مصير عشرات الضحايا مجهولًا حتى اليوم.
ولا تقتصر المأساة على هذه المجزرة، إذ يؤكد الدفاع المدني أن نحو ثمانية آلاف جثمان ما زالت مدفونة تحت أنقاض مئات المباني المدمرة في مختلف مناطق قطاع غزة، في وقت تعجز فيه الطواقم عن الوصول إليها بسبب النقص الحاد في المعدات والآليات الثقيلة. ويضيف أن العمل بالإمكانات الحالية قد يستغرق سنوات لإنهاء هذا الملف الإنساني، داعيًا إلى توفير حفارات ومعدات متخصصة لتمكين فرق الإنقاذ من انتشال الضحايا ودفنهم بما يليق بكرامتهم.
وبين الركام الذي لا يزال يغطي المكان، بقيت آثار المنازل المدمرة شاهدة على مجزرة لم تنتهِ بانتهاء القصف، بل استمرت فصولها لعامين ونصف، لتتحول لحظة انتشال الرفات إلى وداع مؤجل، وإلى قصة إنسانية تختصر معاناة آلاف العائلات التي ما زالت تنتظر أن تستعيد أبناءها من تحت الأنقاض.



