التحالف مع الشيطان من أجل الوصول إلى السلطة.. بقلم: شريف الهركلي

منذ عام 2007، غاب طيف الانتخابات الفلسطينية، وغابت معه روح الديمقراطية التي دفنتها سنوات الانقسام في مقبرة الخلافات السياسية. ثم جاءت الحرب بكل ما حملته من دمار ونزوح وألم، لتكشف حجم الكارثة التي أصابت الوطن والإنسان، ولتؤكد أن الانقسام كان أحد أكثر الجراح الفلسطينية نزفًا وإيلامًا.
واليوم، ومع تصاعد الحديث عن الانتخابات الفلسطينية، يعود المشهد السياسي محملًا بصراعات وتحالفات متسارعة، وكأن الوصول إلى السلطة أصبح الغاية التي تُبرر كل الوسائل، مهما بلغت تناقضاتها السياسية والأخلاقية.
ويبقى السؤال الجوهري: هل التنافس الانتخابي يهدف إلى حماية القرار الوطني الفلسطيني، وتجديد شرعية المؤسسات، أم أنه مجرد سباق نحو السلطة وتحقيق المكاسب الشخصية والحزبية؟
إن أعجب ما في المشهد ليس التنافس، بل التحالفات التي تُصنع على عجل. فاليمين يتحالف مع اليسار، والأسود يعانق الأبيض، وخصوم الأمس يتحولون إلى شركاء اليوم، وتتلاشى الحدود الفكرية والسياسية أمام إغراء السلطة. حتى ليبدو المشهد وكأن الشياطين قد تصالحت فيما بينها، بينما يغيب صوت الضمير الوطني. وفي السياسة قد تتبدل المصالح، لكن المبادئ لا ينبغي أن تكون سلعة تُباع وتُشترى في موسم الانتخابات.
كيف يمكن أن أصافح يدًا ما زالت آثار الدم الفلسطيني عالقة بها من أجل مقعد في السلطة؟ أليس الأولى أن تُغسل تلك الأيدي بمراجعة صادقة، وأن يُقدَّم اعتذار أخلاقي وسياسي للشعب الفلسطيني عن سنوات الانقسام وما خلّفته من جراح وآلام؟ فالمصالحة الحقيقية لا تُبنى على المصالح العابرة، بل على الاعتراف بالخطأ، ورد الاعتبار للوطن والإنسان.
إن التحالف من أجل السلطة وحدها قد يحقق انتصارًا انتخابيًا، لكنه لن يصنع وطنًا، ولن يعيد الثقة المفقودة بين المواطن ومؤسساته. فالسلطة التي تُبنى على التناقضات والانتهازية قد تفوز بصناديق الاقتراع، لكنها تعجز عن ترميم البيت الفلسطيني، أو إعادة الاعتبار للمشروع الوطني الذي أنهكته سنوات الانقسام.
ومن هنا، فهي همسة عتاب وطنية إلى السيد الرئيس محمود عباس، وإلى قيادة السلطة الوطنية الفلسطينية، وإلى جميع الفصائل والقوى الوطنية والإسلامية. إن مسؤوليتكم التاريخية اليوم لا تقتصر على إجراء الانتخابات، بل تمتد إلى إعادة تصويب بوصلة الحياة السياسية، وبسط جسور الثقة بين الفصائل، وتعزيز ثقة الشارع الفلسطيني بالعملية الديمقراطية، وتهيئة مناخ وطني يقوم على الشراكة الحقيقية، لا على الإقصاء أو الهيمنة أو التحالفات المؤقتة.
إن شعبنا لا ينتظر انتخابات تُنتج سلطة جديدة فحسب، بل ينتظر مخرجات وطنية قادرة على إخراج فلسطين من النفق المظلم، وإعادة بناء البيت الفلسطيني على أسس الوحدة والعدالة والشراكة، وتفعيل دور منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها البيت الجامع لكل الفلسطينيين.
فالتاريخ لا يخلّد من يصل إلى السلطة، بل يخلّد من جعل السلطة وسيلةً لخدمة الوطن، لا غايةً يتنازل في سبيلها عن المبادئ والثوابت. وستبقى فلسطين أكبر من كل التحالفات، وأقدس من كل المصالح، وأسمى من كل المقاعد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com