جمعية العودة الصحية في النصيرات. ما بين الوقت المناسب والوقت الأفضل في إدارة الزمن الفاقد:

نضال احمد جابر جودة
“ما بين الوقت المناسب والوقت الأفضل قد تكون هناك دقائق قليلة. لكنها قد تكون كافية لإنقاذ إنسان.”
في أوقات الحروب والكوارث، يتغير مفهوم النجاح في المؤسسات الصحية. فلا تُقاس كفاءة المؤسسة بعدد المرضى الذين استقبلتهم، ولا بحجم الجهد الذي بذله العاملون فيها، وإنما بقدرتها على إيصال المصاب إلى العلاج المناسب في أقصر وقت ممكن. ففي إدارة الطوارئ، يصبح الزمن موردًا علاجيًا لا يقل أهمية عن الدواء أو غرفة العمليات أو الفريق الطبي.
وتُعد جمعية العودة الصحية في مخيم النصيرات إحدى أبرز المؤسسات الصحية الأهلية في المنطقة الوسطى من قطاع غزة، وقد أدت منذ سنوات دورًا مهمًا في تقديم الخدمات الصحية للمواطنين، ولا سيما في مجالات النساء والتوليد والرعاية الصحية الأولية. ومع اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر 2023، وما رافقها من انهيار واسع في المنظومة الصحية، فتحت الجمعية أبوابها لاستقبال أعداد كبيرة من المصابين، وهو موقف إنساني ومهني يُحسب لها، ويعكس إحساسًا عاليًا بالمسؤولية الوطنية في ظروف استثنائية.
غير أن إدارة الكوارث لا تكتفي بتقدير الجهود، بل تفرض على المؤسسات أن تخضع أداءها للتقييم المستمر. فالإدارة التشغيلية تنظر إلى النتائج من زاوية مختلفة، وتسأل سؤالًا جوهريًا: هل وصل المريض إلى المكان المناسب في الوقت المناسب؟
ومن هنا يظهر مفهوم الزمن الفاقد، وهو الوقت الذي يضيع بين انتقال المصاب من نقطة إلى أخرى دون أن يتلقى التدخل العلاجي الذي يحتاج إليه. وفي طب الطوارئ، يُعد هذا الزمن أحد أخطر مؤشرات الأداء التشغيلي، لأن دقائق قليلة قد تكون كافية لتغيير النتيجة الطبية بالكامل.
لقد أظهرت التجربة الميدانية أن عددًا كبيرًا من المصابين الذين وصلوا إلى جمعية العودة الصحية انتهى بهم الأمر، بعد التقييم الطبي، إلى التحويل نحو مستشفى شهداء الأقصى لاستكمال العلاج. وقد يكون قرار التحويل صحيحًا من الناحية الطبية، إلا أن السؤال الإداري يبقى حاضرًا: هل كان بالإمكان اختصار هذه الرحلة منذ البداية؟
إن الإدارة التشغيلية لا تسأل فقط: هل استقبلنا المصاب؟ وإنما تسأل أيضًا: هل أوصلناه منذ اللحظة الأولى إلى المؤسسة الأكثر قدرة على إنقاذ حياته؟ وهنا يكمن الفرق الحقيقي بين الوقت المناسب والوقت الأفضل.
فالوقت المناسب هو اتخاذ القرار الصحيح بعد وصول المصاب إلى المؤسسة الصحية. أما الوقت الأفضل فهو أن يصل المصاب منذ البداية إلى المؤسسة القادرة على تقديم العلاج النهائي، دون المرور بمحطات وسيطة لا تضيف قيمة علاجية للحالات الحرجة، وإنما تستنزف موردًا لا يمكن تعويضه، وهو الوقت.
ومن هذا المنطلق، فإن القضية لا تتمثل في أداء جمعية العودة الصحية وحدها، ولا في أداء مستشفى شهداء الأقصى منفردًا، وإنما في مستوى التكامل التشغيلي بين المؤسستين. فإدارة الطوارئ الحديثة تقوم على مفهوم الشبكة الصحية المتكاملة، حيث تعمل المستشفيات والمراكز الصحية والإسعاف وغرف العمليات باعتبارها منظومة واحدة، تتشارك المعلومات، وتنسق القرار، وتحدد وجهة المصاب وفق قدرات كل مؤسسة، وليس وفق حدودها الجغرافية.
إن وجود غرفة عمليات مشتركة، وآليات فرز موحدة، وقنوات اتصال مباشرة بين الطواقم الطبية والتمريضية والإسعاف، كان من شأنه أن يقلل الزمن الفاقد، ويختصر رحلة المريض، ويرفع فرص النجاة. فالمؤسسات الصحية في الحروب لا تنجح عندما يعمل كل منها بكفاءة منفردة، وإنما عندما تعمل جميعها بكفاءة جماعية.
إن هذه القراءة لا تهدف إلى التقليل من الدور الإنساني الكبير الذي قامت به جمعية العودة الصحية، بل هي دعوة إلى تطوير الأداء التشغيلي والاستفادة من الدروس التي فرضتها الحرب. فالكوارث لا تمنح المؤسسات فرصة لتكرار الأخطاء، وإنما تدفعها إلى مراجعة إجراءاتها، وتطوير آليات التنسيق، وإعادة بناء منظومة الاستجابة بما يضمن الاستخدام الأمثل للوقت والموارد.
وفي النهاية، يبقى الدرس الأهم أن ما بين الوقت المناسب والوقت الأفضل قد تكون هناك دقائق قليلة… لكنها قد تكون كافية لإنقاذ إنسان. وفي إدارة الطوارئ، لا تُقاس كفاءة المؤسسات بعدد من استقبلتهم، وإنما بعدد الأرواح التي نجحت في إنقاذها، وبقدرتها على تقليل الزمن الفاقد وإيصال كل مريض إلى المكان المناسب، في الوقت الأفضل.



