التفاهة الإدارية: عندما تصبح شاشة الاستعلام أكبر من رحلة المريض.. نضال احمد جابر جودة

في الإدارة الحديثة، لا تُقاس قيمة أي إجراء جديد بحداثته التقنية، ولا بجاذبية تصميمه، ولا بحجم التفاعل الذي يرافق الإعلان عنه، وإنما بقدرته على تحقيق الغاية التي أُنشئ من أجلها. ولذلك يبقى السؤال الأكثر بساطة، والأكثر أهمية، هو: هل اختصر هذا الإجراء رحلة المريض إلى الخدمة، أم أضاف إليها خطوة جديدة؟
قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه في الحقيقة يمثل أحد أهم معايير تقييم الأداء المؤسسي. فالإدارة الناجحة لا تُقاس بما تنتجه من إجراءات، بل بما تزيله من عوائق. ولا يُعد التطوير إنجازًا لمجرد أنه أحدث تغييرًا في شكل العمل، وإنما عندما ينعكس أثره مباشرة على المستفيد، فيقلل زمن الانتظار، ويختصر عدد الخطوات، ويوضح المسؤوليات، ويجعل الوصول إلى الخدمة أكثر سهولة وكفاءة.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى شاشة الاستعلام التي ظهرت في مستشفى ناصر. فهي، في ذاتها، ليست المشكلة، كما أنها ليست الإنجاز. إنها مجرد أداة إدارية ينبغي أن تخضع للمعيار نفسه الذي تخضع له جميع أدوات الإدارة: هل سهّلت وصول المريض إلى الخدمة؟ وهل خففت الازدحام؟ وهل اختصرت الوقت والإجراءات؟ فإذا كانت الإجابة نعم، فهي إضافة حقيقية تستحق التقدير. أما إذا تحولت إلى محطة جديدة في رحلة المريض، أو أضافت طبقة أخرى من الانتظار، فإنها تصبح مدخلًا لمراجعة أعمق تتعلق بطريقة التفكير الإداري التي أنتجتها.
وهنا يبرز مفهوم “التفاهة الإدارية”.
ولا يُقصد بهذا المفهوم التقليل من شأن الأشخاص أو التقنيات، وإنما وصف حالة مؤسسية يتحول فيها الاهتمام من النتائج إلى الوسائل، ومن الأثر إلى المظهر، ومن حل المشكلة إلى إدارة شكلها. ففي هذه الحالة تُقاس النجاحات بعدد المبادرات، وكثرة الإجراءات، وجمال التصاميم، بينما يغيب السؤال الأهم: هل أصبحت حياة المستفيد أفضل؟
فالصورة ليست إنجازًا، والشاشة ليست إنجازًا، والبيان الصحفي ليس إنجازًا، والاجتماع ليس إنجازًا. كل هذه أدوات قد تكون ضرورية، لكنها لا تكتسب قيمتها إلا عندما تنعكس على الواقع. أما الإنجاز الحقيقي فهو أن يصل المريض إلى العلاج في الوقت المناسب، وبأقل قدر من المعاناة، ومن خلال مسار إداري واضح ومحدد.
ومن هنا، فإن شاشة الاستعلام ليست سوى نموذج يكشف طريقة تفكير قد تمتد آثارها إلى ملفات أكثر حساسية وتعقيدًا، وفي مقدمتها ملف المرضى المحولين للعلاج خارج قطاع غزة، ولا سيما مرضى الأورام، ومرضى الفشل الكلوي، ومرضى الكبد، الذين تعتمد حياتهم على سرعة الإجراءات، ودقة التنسيق، واستمرارية المتابعة.
فهؤلاء المرضى لا ينتظرون شاشة أكثر حداثة، ولا إجراءً أكثر لفتًا للانتباه، بل ينتظرون منظومة إدارية قادرة على اختصار الطريق بينهم وبين العلاج. ولا تعنيهم كثرة المبادرات إذا بقيت رحلتهم مليئة بالمحطات المتعددة، وتعدد الجهات، وغموض المسؤوليات، وطول فترات الانتظار. إنهم يقيسون نجاح الإدارة بعدد الأيام التي اختُصرت من رحلة علاجهم، لا بعدد الأدوات التي أضيفت إليها.
ولقد فرضت الظروف الاستثنائية التي مر بها قطاع غزة البحث عن حلول عاجلة وترتيبات مؤقتة لضمان استمرار تقديم الخدمات الصحية، وهو أمر تفرضه طبيعة الأزمات. غير أن الإدارة الرشيدة لا تكتفي بتقييم قدرة هذه البدائل على سد الفراغ الآني، بل تنظر أيضًا إلى أثرها في الحفاظ على المؤسسة الحكومية صاحبة الاختصاص، وتعزيز قدرتها على الاستمرار واستعادة دورها الطبيعي بعد انتهاء الظروف الاستثنائية.
فالإدارة لا تصبح أكثر كفاءة كلما ازدادت الجهات العاملة في الملف الواحد، وإنما كلما أصبحت المسؤوليات أوضح، والمسارات أبسط، والمرجعية المؤسسية أكثر تماسكًا. وعندما تتعدد قنوات العمل، وتتداخل الاختصاصات، وتتوزع المسؤوليات بين أكثر من جهة، يصبح السؤال مشروعًا: هل أصبح النظام الصحي أكثر قدرة على إدارة ملف المرضى، أم أصبح أكثر تعقيدًا؟
إن المرجعيات الإدارية المختصة بملف العلاج والتحويلات الطبية لم تُنشأ بوصفها هياكل تنظيمية فحسب، بل لتكون نقطة الارتكاز التي توحّد مسار المريض، وتجمع المعلومات، وتنسق الإجراءات، وتضمن استمرارية المتابعة والمساءلة. ولذلك، فإن أي نموذج إداري جديد ينبغي أن يُقاس بمدى تعزيزه لهذا الدور المؤسسي، لا بمدى قدرته على إنشاء مسارات موازية أو توزيع الاختصاصات بين جهات متعددة. فضعف المؤسسة لا يحدث عادة بصورة مفاجئة، وإنما يتسلل تدريجيًا عندما تتعدد قنوات العمل، وتتداخل المسؤوليات، ويصبح المريض مضطرًا إلى التنقل بين أكثر من جهة للحصول على الخدمة نفسها.
إن أخطر ما في التفاهة الإدارية أنها لا تعلن نفسها. فهي تأتي دائمًا تحت عناوين براقة، وترتدي ثوب التطوير، وتتحدث بلغة الإنجاز، وتُنتج صورًا وتقارير توحي بأن المؤسسة تتقدم إلى الأمام، بينما يبقى السؤال الذي يطرحه المريض بلا إجابة: هل أصبحت رحلتي إلى العلاج أقصر؟
وفي الإدارة الصحية، لا تكون التكنولوجيا هدفًا في ذاتها، ولا التنظيم الشكلي غاية مستقلة، وإنما يبقى الإنسان هو الغاية، وتظل كرامته وسرعة حصوله على العلاج هي المعيار الذي تُقاس به جميع القرارات والإجراءات. فكل تطوير لا يختصر معاناة المريض، ولا يعزز وضوح المسؤولية، ولا يقوي المؤسسة، يستحق أن يخضع للمراجعة، مهما بدا حديثًا أو حظي بإشادة إعلامية.
ولذلك، فإن شاشة الاستعلام ليست سوى نقطة البداية في نقاش أوسع حول معايير النجاح داخل القطاع الصحي. فالمؤسسات لا تُقاس بعدد الشاشات التي تضيفها، ولا بعدد الإجراءات التي تستحدثها، وإنما بقدرتها على حماية رسالتها، وترسيخ مرجعيتها، وضمان وصول المريض إلى حقه في العلاج بأسرع طريق وأكثره وضوحًا. وعند هذه النقطة فقط يمكن التمييز بين التطوير الحقيقي، الذي يجعل الإنسان محور العملية الإدارية، وبين التفاهة الإدارية التي تتحول فيها الوسائل إلى غايات، وتصبح الصورة أهم من الأثر، بينما يبقى المريض، ينتظر أمام شاشة الاستعلام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com