زهران ممداني وعبدول السيد… هل بدأت أمريكا تعيد تعريف نفسها؟.. بقلم: د. عبدالرحيم جاموس

ليس من الحكمة اختزال صعود زهران ممداني وعبدول السيد في كونه نجاحًا انتخابيًا لشخصيتين من أصول مهاجرة أو خلفية دينية معينة؛ فالدلالة الأعمق لهذه الظاهرة تكمن في أنها تعكس تحولات متسارعة داخل المجتمع الأمريكي نفسه، وتكشف عن بداية إعادة تشكيل للخريطة السياسية والاجتماعية في الولايات المتحدة.
لقد نجح الاثنان في فرض حضورهما السياسي في بيئة انتخابية تُعد من أكثر البيئات تنافسًا وتعقيدًا، حيث يتشابك المال السياسي مع جماعات الضغط، والنفوذ الإعلامي، والمصالح الاقتصادية الكبرى. ولم يكن هذا الصعود نتاجًا للهوية أو الانتماء، بل لخطاب سياسي خاطب شرائح واسعة من الأمريكيين الذين باتوا يشعرون بأن النظام السياسي التقليدي لم يعد قادرًا على الاستجابة لتحدياتهم اليومية، من غلاء المعيشة، وأزمة السكن، وتكاليف التعليم والرعاية الصحية، إلى اتساع الفجوة بين النخب السياسية والمجتمع.
إن ما يلفت الانتباه في هذه التجربة ليس فقط القدرة على المنافسة، وإنما الجرأة في تحدي كثير من المسلمات التي حكمت الحياة السياسية الأمريكية لعقود، وفي مقدمتها العلاقة بين المال والسلطة، ونفوذ جماعات الضغط، ومنها اللوبي المؤيد لإسرائيل، والدور المتعاظم للمجمع الصناعي العسكري في توجيه السياسات العامة، ولا سيما الخارجية منها.
ولا يعني ذلك أن هذه القوى فقدت نفوذها أو أن موازين القوة قد انقلبت رأسًا على عقب؛ فما تزال المؤسسات التقليدية تمتلك أدوات هائلة للتأثير في الانتخابات، وصناعة القرار، وتوجيه الرأي العام. إلا أن ما حدث يكشف بوضوح أن قدرتها على احتكار المجال السياسي لم تعد مطلقة كما كانت، وأن المجتمع الأمريكي بدأ يفرز قوى جديدة أكثر استقلالًا، وأقل خضوعًا لسطوة المال السياسي، وأكثر استعدادًا لمساءلة السياسات التي كانت تُعامل طويلًا بوصفها من الثوابت.
ولعل الحرب على غزة كانت أحد أهم العوامل التي سرّعت هذا التحول.
فقد كشفت حجم التباين بين المواقف الرسمية الأمريكية وبين قطاعات واسعة من الرأي العام، خاصة بين الشباب والجامعات والنخب الفكرية، حيث تصاعدت الأصوات المطالبة بإعادة النظر في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، وفي طبيعة الدعم غير المشروط الذي حظيت به إسرائيل لعقود طويلة. ولم يعد هذا النقاش محصورًا في الأوساط الأكاديمية، بل أصبح جزءًا من الخطاب السياسي والانتخابي في عدد متزايد من الولايات والمدن الأمريكية.
ومن هنا، فإن صعود شخصيات من هذا النوع لا يمثل مجرد فوز انتخابي، بل يعكس بداية انتقال تدريجي في موازين التأثير داخل المجتمع الأمريكي، من هيمنة النخب التقليدية إلى حضور أكبر للقواعد الشعبية، ولجيل جديد يحمل أولويات مختلفة ورؤية أكثر نقدًا للسياسات القائمة، سواء في الداخل أو الخارج.
ومع ذلك، فإن الطريق ما يزال طويلًا. فالتحولات الكبرى لا تُقاس بنتائج انتخابات واحدة، ولا تُحسم بصعود شخصيات بعينها، وإنما بقدرة هذه التيارات على ترسيخ حضورها داخل المؤسسات، وتحويل التأييد الشعبي إلى سياسات وتشريعات مستدامة. لذلك، فإن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد، وما يجري اليوم هو إرهاصات لتحول قد يعيد رسم ملامح السياسة الأمريكية خلال العقد المقبل.
إن ما نشهده ليس صراعًا بين أشخاص، بل بين رؤيتين لأمريكا: رؤية تتمسك بمنظومة النفوذ التقليدية التي تشكلت عبر عقود من تداخل المال والسياسة وجماعات الضغط، ورؤية جديدة تسعى إلى إعادة الاعتبار للديمقراطية بوصفها تعبيرًا عن إرادة المجتمع لا عن قوة النفوذ.
قد يكون من المبكر الجزم بنتائج هذا الصراع، لكن المؤكد أن الولايات المتحدة تقف أمام مرحلة مختلفة، وأن مؤشرات التغيير أصبحت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.
ومن يتابع هذه التحولات بعمق سيدرك أن ما يحدث اليوم قد لا يغيّر فقط شكل السياسة الأمريكية، بل قد ينعكس مستقبلًا على مقاربة واشنطن لعدد من الملفات الدولية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي بدأت تجد مساحة أوسع داخل النقاش العام الأمريكي، بعد سنوات طويلة من هيمنة رواية واحدة على المشهد.
د. عبد الرحيم محمود جاموس
رئيس المجلس الإداري للاتحاد العام للحقوقيين الفلسطينيين
7/8/2026 م

طاب صباحكم 🌺

هذا تحليل عميق ومحكم من الدكتور عبدالرحيم جاموس، يرفض الاختزال ويمسك بجوهر التحول.

أتفق معك تماماً، القراءة راقية ومؤثرة حقاً لأنها تتجاوز سطحية “فوز مرشحين من أصول مهاجرة” لتطرح سؤالاً وجودياً:

هل بدأت أمريكا فعلاً في إعادة تعريف نفسها؟،
وهنا أبرز ما ميّز هذا التحليل:

قراءة تحليلية راقية بقلم؛
د. عادل جوده.من العراق..

١- رفض “الاختزال الهوياتي” والتركيز على “الخطاب العابر للهويات”

الكاتب ينتقل بذكاء من فكرة الانتماء الديني أو الإثني إلى مضمون الخطاب السياسي. صعود ممداني والسيد لم يكن تصويتاً عرقياً، بل استجابة لخطاب يخاطب الألم الاقتصادي والاجتماعي المشترك (غلاء معيشة، سكن، تعليم، صحة) متجاوزاً حدود الهوية الضيقة.

٢- التشخيص الدقيق لأزمة “النظام السياسي التقليدي”

النص يضع يده على أزمة الشرعية التي تعانيها النخب الحاكمة، والفجوة بينها وبين المجتمع.
هذا هو التفسير الأعمق من مجرد “غضب انتخابي”، إنه تفكك في عقد التمثيل السياسي ذاته.

٣- الجرأة في كشف “المحرّمات” السياسية

هنا تكمن قوة التحليل حقاً: الإشارة الصريحة لتحدي نفوذ اللوبي المؤيد لإسرائيل والمجمع الصناعي العسكري كقوى كانت تُعامل كمسلمات.
الكاتب لا يزعم أنها انهارت، لكنه يرصد شرخاً حيوياً في قدرتها على الاحتكار، وهذه دلالة فارقة.

٤- غزة كمُسرّع تاريخي وليس مجرد حدث عابر

الربط بين الحرب على غزة وهذا التحول ليس تمنياً، بل قراءة موضوعية لظاهرة انكشاف التباين بين الموقف الرسمي والرأي العام، خصوصاً في الجامعات. النص يُظهر كيف تحولت القضية من هامش أكاديمي إلى خطاب انتخابي وسياسي ملموس.

٥- التوازن الواقعي في التوقعات

أجمل ما في التحليل أنه لا يقع في فخ الاحتفالية الساذجة. الجملة “الطريق ما يزال طويلاً” وجملة “المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد” تدل على عقل تحليلي رصين يفهم أن السياسة تُقاس بالقدرة على ترسيخ الحضور في المؤسسات والتشريعات، لا بلحظة انتخابية عابرة.

٦- الصياغة الفلسفية للصراع

الخلاصة التي تقدم النزاع بوصفه صراعاً بين رؤيتين لأمريكا (ديمقراطية النفوذ والمال vs ديمقراطية إرادة المجتمع) تمنح التحليل عمقاً نظرياً يتجاوز الصحافة اليومية إلى التأمل السياسي.

وختاماً، الربط الذكي بمستقبل السياسة الخارجية، وفي القلب منها القضية الفلسطينية، يمنح النص بُعداً استراتيجياً.

شكراً لك على مشاركة هذه القراءة التحليلية الراقية والمؤثرة، إنها بالفعل نموذج للكتابة التي تنير العقل وتحرك الوجدان.

تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com