الحبيب المحبوب.. حين يغتسل القلب بالْطِّيِبْ، وتتوضأ الروح بدموع الشوق

دكتور/ جمال عبد الناصر محمد عبد الله أبو نحل

الناس تختلف في التفكير، وفي العقل، وفي الطباع بعضها عن بعض؛ وليس كل إنسان مثل الأخر بالتمام، والكمال وكذلك بعض الأيام، والشهور ، وبعض الأماكن تختلف في التفضيل، والأفضلية، وكذلك الأنبياء، والمرسلين ليسوا سواءً، فقد فضل الله عز، وجل بعضهم على بعض، وكذلك الحال في الحل، والسفر، والترحال للرجال الذين شدوا الرحال لخير المآل، وأعظم مكان وأجمل جمال، هناك وما أدراك ما هناك؟؛ هناك النفحات، والرحمات، والروحانيات، وهناك تُكسب العبرات، عند أحبِ وأعظم حبيب، في طيبة الطيبة حيث يوجد النور، والسراج المنير الهادي البشير طب القلوب ودواءها وعافيةِ الأبدان وشفاءها، ونور الأرواح، وضياءها؛ وراحة الروح وسكينتها وسكنها. فليست كل الزيارات والمزارات سواء؛ وليست كل البلاد كالبلاد، وليس كل العباد عُبَادْ، وليس المؤمن التقي مثل الكافر البغي- لا يستويان مثلاً؛ وليس لكل غربة سقاء، ودواء، وشفاء للقلب، والروح، بل في بعض الغربة لبلاد الغرب الكافر قد تجد الوحشة، والفحش، والفناء، والعناء؛ واللهو، والغناء، وحياة التُعساء؛ وعيش البؤساء، ونهاية الأشقياء. وعلى كل حال ليس لكل لقاء في الدُنيا بقاء، ولو حتى تجدد اللقاء، فلكل بداية نهاية وفراق؛ ولكن ليست كل الرحلات والزيارات والبلاد، والعباد والأماكن سواء… فهناك رحلات تسافر فيها، وتغادر حاملاً حقائبك معك في السفر، وحينما يحين الوقت للعودة، والرجوع، للوطن تكون في غاية السعادة لمغادرة بلاد الغربة، والمهجر ، وتكون في غاية السعادة للعودة لديارك، وأهلك، ومالك، وأحبابك، وأصحابك، وجيرانك، وأقاربك؛ ولكن هناك رحلة لبلاد الأفراح بعيدًا عن الأتراح _ تسافر وأنت تحمل فيها قلبك وروحك، قبل حقائبك، وتمضي إليها فّرِحًا مسرورًا تاركًا وراءك كُل الدنيا بكل صخبها، وما فيها متجهاً إلى الأرض المباركة المقدسة التي اختارها الله جل جلاله من فوق سبع سموات لتكون أحب بلاد الله إلى الله؛ وفيها وضع أول بيت للناس للذي ببكة مباركًا هدىً ورحمةً للعالمين؛ تلك البقعة العظيمة من الأرض العظيمة التي شرفها جل جلاله بأن يرفع قواعدها أبونا أبو الأنبياء والمرسلين سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة، و السلام، وولدهُ سيدنا إسماعيل عليه السلام؛ تلك الأرض التي شرفها الله عز وجل بميلاد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، خاتم الأنبياء والمرسلين مسك المسك، المبعوث رحمةً للعالمين؛ في مكة المكرمة وما أدراك ما فيها في الكعبة المشرفة، فيها هناء، وسرور، وفيها نور على نور، وفيها جبل الرحمة، والنور الذي نزل عليه أمين وحي السماء سيدنا جبريل عليه السلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بأعظم رسالة للبشرية جميعًا قائلاً لسيدنا الحبيب “اقرأ باسم ربك الذي خلق”، وفي تلك البلاد المباركة كان ميلاد الكثير من الأنبياء، والمرسلين، وفيها من بمولده أضاءت الدنيا وأنارت، وبموتهِ صلى الله عليه وسلم أظلم كل شيء!.

من مكة المكرمة أشرق، وبزغ فجر نور الإسلام ليكون هداية للناس جميعًا؛ ومن يشد الرحال لأحب بلاد الله إلى الله في رحلة إيمانية مباركة خالدة في الوجدان وفي الكيان، لأداء مناسك الحج أو العمرة قاصدًا حبيبتي مكة المكرمة وحبيبتي طيبة الطيبة المدينة المنورة؛ في رحلة لا يكتبها موظف في ختمة لجواز السفر، وإنما يكتبها الله جل جلاله في صحيفة من قيل أعمالهم، وأحبهم، ودعاهم لزيارة بيته الحرام، ولمدينة رسوله الكريم سيد الأنام صلى الله عليه وسلم. وما أعظمها من كرامة، ومن عبادة، ومن زيارة إيمانية روحانية – وخاصة حينما حين تقع العين لأول مرة على الكعبة المشرفة، تتوقف الكلمات، و يصمت اللسان، ويعجز عن الوصف، فتتكلم الدموع، دموع القلب، والروح قبل دموع العين؛ فأي سرٍ يسكن هذا البيت العتيق المبارك ومن فوقه وحوله في السماء تستشعر كأن الملائكة تطوف بأجنحتها حتى ترتجف له القلوب محبة، وفرحًا، وإيمانًا، ووجلاً ؟ وكأن النورٍ يملأ المكان، والزمان حتى يشعر الإنسان أنه عاد طفلاً نقياً كيوم ولدتهُ أمهُ لم يعرف ذنباً، ولم يحمل هماً؟ تقف أمام بيت الله عز وجل، فتدرك أن كل ما كنت تطارده في الدنيا كان صغيراً، وأن العظمة كلها هنا… حيث تتعلق الأرواح بربها، وتذوب الألقاب، والرتب، والمسميات، وأنت في لباس الإحرام الأبيض تجردت من كل الدنيا وتعلقت بالآخرة، ولا يبقى هناك في القلب إلا الله سبحانه وتعالى؛ ومن ثم تطوف سبعة أشواط حول البيت العتيق مكة المكرمة المشرفة المطهرة، وفي كل شوط، تسقط من القلب الغفلة وينكسر قيد الدنيا، وتولد حياة إيمانية جديدة؛ ومن ثم بعد سبعة أشواط تصلى ركعتين عند مقام سيدنا إبراهيم عليه السلام بجوار الكعبة المشرفة، وتجد مكان، وأثار قدميه الشريفين موجودة حتى الآن في معجزة ربانية خالدة تراها رأي العين بأم عينيك؛ ثم تذهب للسعي بين الصفا، والمروة، فتتذكر سعى أمنا هاجر المصرية عليها أفضل السلام، تلك الأم العظيمة زوج سيدنا إبراهيم أبو الأنبياء عليه السلام – والتي لم يكن معها إلا رضيعها إسماعيل عليه السلام، ولم تجد ما يسد رمقه من الماء، وقد أصابه العطش، ومع ذلك امتلأ قلبها يقيناً بربها، فجعل الله من خطواتها الخالدة درساً للبشرية كلها وهي تسعى بين جبلين الصفا والمرة ذهابًا وإيابًا، وتركض في موطن عليه علامات خضراء اليوم تراها فوق رأسك في المسعى – وفي تلك رسالة عظيمة تقول للبشرية جمعاء أن من وثق بالله عز وجل، لن يضيعه الله أبداً؛ ومن اعتمد على الله فلا قل ولا ذل ولا زل ولا مل ولا اختل ولا اعتل _ وتستمر أمنا هاجر عليها السلام في السعي بين الصفا، والمروة سبعة أشواط حتى ينزل لها سيدنا جبريل عليه السلام ليضرب الأرض بجناحه ليتفجر ينبوع ماء زمزم فتقول أمنا هاجر عليها السلام للماء ” زم _ زم “، ولو تركته لبقى أنهارًا تجري؛ ليبقى هذا الماء المبارك خالدًا ليوم القيامة يشرب منه الحجيج والمعتمرين دون أن ينضب ماؤه؛ ثم يذهب المعتمر للحلق، أو التقصير من شعره يتم يتحلل من لباس العمرة؛ ثم تترك مكة المكرمة، ولكن قلبك وروحك لن تتركها بعد اليوم؛ ثم تسافر المسير ، وتسير إلى المدينة المنورة… وما إن تلوح مآذن المسجد النبوي في الأفق حتى تشعر أن قلبك يسبقك إليها تريد أن تطير تسبق السيارة إليها. وقبل أن تصل تسرح وتمرح روحك وهي تنظر إلى الجبال الشامخة بين مكة المكرمة والمدينة المنورة ، وتغبط تلك الجبال مخاطبًا إياها في باطن نفسك: أيتها الجبال المباركة لقد تشرفتِ برؤية سيد الأنبياء والمرسلين وسيد الثقلين رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل تشرفت بعضها بأن مشى صلى الله عليه وسلم، وسار عليها بأقدامه الشريفة، وتذكر الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم: “جبل أحد جبل يحبنا ونحبه”؛ أثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدين”. وتشعر كم تعب النبي صلى الله عليه وسلم لآجل أن يصلنا الدين – وأنت متجه من مكة المكرمة للمدينة المنورة سواء في الباص أو القطار، أو السيارة تشعر حينها بعد المسافة ما يقارب 500 كيلو متر، وكيف قطعها النبي صلى الله عليه وسلم في الحر الشديد، ولم تكن الطرق ممهدة، ولا مُعبدة، ولا مرصوفة ولا توجد فيها إنارة وإنما كانت نورها ينير من نور وجه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ و حينها تصل المدينة المنورة، وتذكر حينما وصل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء كل شيء فيها؛ تشعر براحة نفسية، وقلبية وسكينة عجيبة في طيبة الطيبة التي طابت بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها؛ وتستشعر كل الأماكن والمزارات، وحقول النخيل، وبئر غرس، وغيره، والغزوات والمعارك التي خاضها النبي صلى الله عليه وسلم لآجل أن يصلنا هذا الدين العظيم بسلام؛ وحينما تذهب جبل أحد وتشعر كان معركة أحد والأحداث فيها ونزول الرماة عن الجبل وكأنك تعيشها في الحين، والحظة وترى في البقيع قبور الصحابة الكرام وأمهات المؤمنين رضي الله عنهم أجمعين – وترى قبر سيد الشهداء أسد الله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه؛ وقبل أن تدخل المدينة قد تصل أولاً إلى مسجد قباء وهو أول مسجد أسسه النبي صلى الله عليه وسلم وبدأ يضع أساس الدولة في المدينة المنورة، والتي احتضنت رسول الرحمة صلى الله عليه وسلم، وأنارت بقدومه، تلك المدينة المباركة التي مشت على ترابها قدماه، وارتفع فيها صوته بالقرآن، وابتسم فيها، وبكى فيها، وسجد فيها لله حتى تورمت قدماه. كل حجر فيها يروي قصة… وكل نخلة فيها تحفظ ذكراً… وكل نسمة هواء فيها تحمل عبق الحبيب صلى الله عليه وسلم؛ وحينما تزور مسجد القبلتين حينما كانت القبلة الأولى للمسلمين هي المسجد الأقصى المبارك الذي يرزح أسيرًا تحت وطأة العدو الصهيوني المجرم – ثم تشعر بنزول القرآن الكريم والأمر بتحول القبلة نحو المسجد الحرام وذلك في قوله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: ” قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فِّولِ وجهك شطر المسجد الحرام…..””؛ ثم تأتي اللحظة التي لا تشبهها لحظة… حين تقف أمام الحجرة الشريفة لسيد الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم؛ وهناك لا يعرف القلب كيف يخفق… ولا تعرف العين كيف تُكفكف دموعها… وتهمس بصوت يكاد يسمعه قلبك قبل أن يسمعه لسانك: السلام عليك يا رسول الله…السلام عليك يا من أخرجنا الله بك من الظلمات إلى النور…السلام عليك يا من بكينا شوقاً إليك، ولم نرك…السلام عليك يا حبيب الله يا سيدي يا رسول الله السلام عليك وعلى صاحبيك سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وسيدنا الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ وتلقى السلام بلسان قلبك وروحك قبل عقلك ولسانك قائلاً: السلام عليك يا سيدي يا رسول الله يا خير خلق الله السلام عليك يا من أحببناك ولم نراك وأحبك الله واصطفاك، و اجتباك…السلام عليك يا من نلقاك – بإذن الله كما أخبرتنا اصبروا حتى تلقوني على الحوض، وهناك عند سيدنا الحبيب قلبك يطيب وتشعر كأن الدنيا كلها تقف خلف ظهرك…ولا يبقى أمامك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وكم من دعاء خرج هناك ممزوجاً بالدموع… وكم من قلب مكسور عاد مجبور… وكم من مذنب وقف خائفاً، فعاد مطمئناً، وقد امتلأ قلبه برجاء رحمة الله؛ ثم تمشي إلى الروضة الشريفة… وكأنك تمشي فوق قطعة من الجنة… تبحث عن موضع سجدة… وركعتين… ودعوة لا يعلمها إلا الله… وربما دمعة واحدة… تكون سبباً في سعادة الدنيا والآخرة؛ ثم تزور مسجد قباء، أول مسجد أُسس على التقوى، وتصلي ركعتي تعدل عمرة تامة، وحينما تذهب لتقف عند جبل أحد، فتشعر أن الصخور ما زالت تحفظ خطى الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وما زالت تردد أسماء الشهداء الذين باعوا الدنيا واشتروا رضا الله. ثم تزور مقبرة البقيع… وتتذكر أن النهاية واحدة … وأن أعظم ما يحمله الإنسان معه إلى قبره ليس مالاً ولا جاهاً وإنما قلب عرف الله، ولسان أكثر من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمل صالح يرجو به وجه ربه؛ فيا زائر مكة والمدينة… لا تجعل رحلتك صوراً تلتقطها الكاميرات، بل اجعلها توبةً يكتبها الله في صحيفتك؛ واجعل أول ما تحمله معك قلباً متواضعاً، وآخر ما تعود به قلباً نقيًا تقيًا جديداً؛ وهل هناك أجمل من إنسان يعود من الحرمين الشريفين وقلبه معلق هناك، وقد غُسلت روحه قبل جسده؟ اللهم ارزقنا الوقوف أمام بيتك الحرام مرات ومرات ومرات حتي الممات، وارزقنا الصلاة في مسجد نبيك الكريم، والسلام عليه بأدب المحبين، واملأ قلوبنا بشوق لا ينقطع إلى مكة والمدينة. اللهم لا تحرم مشتاقاً من زيارة بيتك، ولا تمنع محباً من السلام على نبيك، واجعل آخر أعمارنا عامرةً بطاعتك، وخير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا؛ وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ وستبقى أرواحنا تهفو للعودة لزيارة مكة المكرمة والمدينة المنورة، وفي شوق لا تنقطع من قلوب وأرواح المشتاقين المحبين، التي ترجو أن تبقى هناك بجوار الحبيب وفي مسجده العامر ، والذي الصلاة فيه تعادل ألف صلاة فيما سواه؛ وفي المسجد الحرام الصلاة هناك تعادل مائة ألف صلاة، وفي المسجدين تجد خشوع وخضوع، ودموع لا يضاهيها خشوع؛ ولا خضوع، وإن كان للمحبين رجاء _ فهو أن تكون لنا حسن الخاتمة في مسجد سيد الأنبياء، وأن ندفن في البقيع مع أمهات المؤمنين، والصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين؛ وأن نفوز بشفاعة سيد الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وعلى آل بيته وصحابته الطيبين الطاهرين أجمعين..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com